ص: (ثم الإسناد إلخ).
(ش): إنما جعل ذلك فى علم المعانى، وجعله السكاكى فى علم البيان؛ لأن السكاكى كان ينكر هذه الحقيقة، وهذا المجاز، فلذلك ذكرهما، ثم منبها على عدمهما، وقوله: (ثم) أى ثم نقول، وقسم المصنف الإسناد إلى حقيقة
ومجاز.
واعلم أن لفظى الحقيقة والمجاز تارة يقصد بهما الألفاظ، وذلك سيأتى فى علم البيان، وهو معناهما الاصطلاحى، وتارة يستعملان فى المعانى، وعليه عبارة من يقول فى المجاز المفرد: هو استعمال اللفظ فى غير موضوعه، ولا يقول: اللفظ المستعمل، غير أن كثيرا من الأصوليين أطلق أن المجاز استعمال اللفظ فى غير موضوعه وأراد المجاز اللفظى؛ وهى عبارة مدخولة، ومراد المصنف هنا الحقيقة والمجاز فى الإسناد نفسه، وهو عقلى، فلذلك جعلهما حقيقة ومجازا عقليين، وعلى الحقيقة إسناد الفعل أو معناه من اسم الفاعل ونحوه، مما يقبل الإسناد، إلى ما هو له عند المتكلم فى الظاهر فدخل فى ذلك أقسام:
أحدها: إسناده إلى ما هو له عند المتكلم وفى الخارج، كقول المؤمن: (أنبت الله البقل).
الثانى: ما هو له عند المتكلم، كقول الكافر: (أنبت الربيع البقل) ومنه قول الكفار: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (١)، ولا يكون مجازا؛ لأنه تعالى قال: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. *
الثالث: ما هو له فى الخارج فقط، كقول المعتزلى: (الله تعالى خالق الأفعال كلها) يريد إظهار خلاف ما عنده ظانا أنه يفترى الكذب.
_________________
(١) سورة الجاثية: ٢٤.
[ ١ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرابع: إسناده إلى ما ليس له عند المتكلم ولا فى الخارج، ولكن السامع يتوهم أنه عنده كذلك، وعلم بذلك أن قوله إسناد الفعل أو معناه جنس، وقوله لما هو له خرج به المجاز العقلى، مثل: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (١)، وضمير هو يعود على الفعل، أو معناه، وفى له يعود على (ما)، ودخل القسمان الأولان فى قوله: عند المتكلم، والآخران بقوله: فى الظاهر، فإن السامع يتوهم أنه له عند المتكلم، وخرج إخبار الإنسان بخلاف ما فى ذهنه، والسامع يعلم ذلك، وفيه نظر؛ لأنه إسناد عقلى، لكنه كذب، وليس فيه إسناد مجازى، فتعين أن يكون إسنادا حقيقيا كذبا.
وقد يجاب عنه بأنه لم يخرج، فإن كلام الكاذب فيه إسناد الفعل لما له عند المتكلم فى الظاهر بحسب وضع اللغة؛ لأنه كلام من شأنه أن يدل ظاهره على ذلك وإن تخلفت الدلالة هنا لمانع اعتقاد الكذب.
(تنبيه): قول المصنف (٢) خرج بقولنا إسناد الفعل أو معناه إسناد غيرهما إلى شئ فليس حقيقة ولا مجازا، مثل: الإنسان جسم، وليس كما قال؛ بل كل خبر ففيه الإسناد، وما ذكره يؤدى إلى نفى الإسناد؛ لأن من أثبت الحقيقة والمجاز العقليين فتقسيمه الإسناد إليهما منفصلة حقيقة، مانعة الجمع، والخلو، فكل إسناد ليس حقيقة، ولا مجازا لا
وجود له، ومن وقف على حدى الإسناد الحقيقى والمجازى عرف ذلك. ثم نقول: الإنسان جسم فيه معنى الفعل، باعتبار رجوعه إلى الإسناد المعنوى، وقد قدروا فى (زيد أسد، زيد جرى). وكذلك يقدر فى الجميع، ولا يلزم من ذلك أن يتحمل ضميرا، بل هذا تأويل معنوى لا لفظى، ولو لم يقل بتأويله بمشتق فلا شك فى حصول الإسناد كما هو ظاهر عبارة الشيخ عبد القاهر والسكاكى.
(تنبيه) هذا التقسيم مبنى على ثبوت الحقيقة والمجاز العقليين، وقد أنكره ابن الحاجب تصريحا فى أماليه، ومختصره الكبير، واستبعادا فى مختصره الصغير فى الأصول، وسيأتى الكلام عليه فى المجاز الإسنادى إن شاء الله تعالى.
(تنبيه): اعلم أن الإسناد الحقيقى ليس باعتبار التأثير، بل لأعم من ذلك، كقولك:
(خلق الله السماء) و(قام زيد) فزيد غير مؤثر القيام، بل هو واقع بخلق الله تعالى،
_________________
(١) سورة الزلزلة: ٢.
(٢) قال المصنف: أى فى كتابه الإيضاح أثناء الكلام على تعريف السكاكى. كتبه مصححه.
[ ١ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولكن نسبة القيام إليه حقيقة، بمعنى أن العرب إنما وضعت (قام) لفعل العبد الواقع بخلق الله تعالى، فإن قلت: إذا كان الله تعالى هو الفاعل فالعبد غير فاعل حقيقة، قلت: الحقيقة تطلق على الأمر المحقق المقابل للعدم، وليس كلامنا فيه، وتطلق على ما هو محل الأوضاع اللغوية، وكلامنا فيه؛ فالعرب لم تلاحظ فى (قام زيد) غير نسبة القيام إليه، وإن كان الله تعالى خالقها ولذلك لا يصح سلبه عنه، فلا تقول: (ما قام زيد) بمعنى أن الله تعالى هو الفاعل. وأما قوله: حين حلف أنه لا يحمل قوما ثم حملهم:" ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" (١) فهو نفى مجازى، مثل: وَما رَمَيْتَ (٢)، فإن قيل: فهل يصح نفيه عن الله تعالى، أعنى فعل العبد؟ قلت: أما شرعا فلا، وأما لغة فنعم، وكيف لا، وقد لاحظت العرب فى ذلك ما لا ينسب إلا إلى العبد من الحركات؟ بل لا يسوغ شرعا إسناد الفعل إلى الله - ﷾ - إذا كان غير لائق، وإن كان خالقا له، كالقيام، والقعود منا، والأفعال المحرمة، وحاصله أن الإسناد الحقيقى أقسام:
الأول: ما يراد وقوعه من فاعله حقيقة، بمعنى التأثير، وذلك يختص بالله تعالى، كقولنا: (خلق الله) و(رزق الله).
الثانى: ما يراد وقوعه حكما، مثل: (قام زيد).
الثالث: ما يراد به مجرد الاتصاف، مثل: (مرض زيد)، وكل ما لا كسب فيه، مثل:
(برد الماء). وإذا اتضح ذلك فقد ظهر أن قول المصنف: (ما هو له) معناه له لغة، ومن الغريب أن ابن قتيبة قال فيما نقله عن ابن رشيق فى العمدة، وصاحب مواد البيان: لو كان المجاز كذبا لكان أكثر كلامنا باطلا؛ لأنا نقول: (نبت البقل) و(طالت الشجرة) و(أينعت الثمرة) و(أقام الجبل) و(رخص السعر) وكان الفعل فى وقت كذا، وهو لم يكن، وإنما يكون فيه. اه.
ولا يخفى ما فيه من النظر، إلا أن يريد بكون هذه الأمور مجازا أنه ليس فى واحد منها فعل محقق الوجود من فاعله، ومن الغريب أيضا أن الراغب قال فى كتاب
_________________
(١) أخرجه البخارى فى" الأيمان والنذور"، (١١/ ٥٢٥)، (ح ٦٦٢٣)، وفى غير موضع من صحيحه، ومسلم (ح ١٦٤٩).
(٢) سورة الأنفال: ١٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذريعة إلى محاسن الشريعة: أكثر الأسباب التى يحتاج الفعل فى وجوده إليها عشرة أشياء: فاعل يصدر عنه، كالنجار، وعنصر يعمل فيه، كالخشب، وعمل كالنجر، ومكان وزمان يعمل فيهما، وإلى آلة يعمل بها، كالمنجر، وإلى غرض قريب، كإيجاد النجار الباب، وإلى غرض بعيد، كتخصيص البيت به، وإلى مثال يعمل عليه، ويهتدى به، وإلى مرشد يرشده، وكل ذلك قد ينسب الفعل إليه فتقول: (أعطانى زيد) و(أعطانى الله) قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (١)، وقال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ (٢) فأسنده إلى الآمر، وإلى المباشر، وقال الشاعر:
وألبسنيه الهالكى
وقال:
كساهم محرق
فنسب الفعل لعاملها؛ وفى الثانى لمستعملها، وقيل: (يداك أو كتا) و(فوك نفخ) فنسب إلى الآلة كما يقال: (سيف قاطع) ويقال: (ضرب) فيصل فنسب إلى الحدث و(عيشة راضية) فنسب إلى المفعول، وقال تعالى: حَرَمًا آمِنًا (٣) فنسب إلى المكان وقيل: (يوم صائم) و(ليل ساهر) فلما كانت أفعالنا كذلك صح فى الفعل الواحد أن يثبت لأحد الأسباب مرة، وينتفى أخرى، بنظرين مختلفين، وعليه قول الشاعر:
أعطيت من لم تعطه ولو انقضى حسن اللّقاء حرمت من لم تحرم
فأثبت له الفعل، ونفاه بنظرين، وتقول: (هذا الخشب قطعته أنا لا السكين) و(قطعته السكين لا أنا).
واعلم أنه من أجل ما قدمناه قال قوم من المحصلين: لا شئ من الأفعال فاعله واحد على الحقيقة إلا الله تعالى؛ لاستغناء فعله عن الزمان، والمكان، والمادة، والآلة، وغيرها، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى، لا حقيقة ولا مجازا اه.
وظاهر كلامه أن هذه الإطلاقات ونسبة الفعل لجميع ما سبق حقيقة، وهو وما سبق
_________________
(١) سورة الزمر: ٤٢.
(٢) سورة السجدة: ١١.
(٣) سورة القصص: ٥٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
٢ - ومنه: مجاز عقلىّ، وهو: إسناده إلى ملابس له غير ما هو له بتأوّل.
وله (١) ملابسات شتّى: يلابس الفاعل، والمفعول به، والمصدر، والزّمان، والمكان والسبب:
فإسناده إلى الفاعل أو المفعول به - إذا كان مبنيّا له حقيقة كما مرّ.
وإلى غيرهما - للملابسة -: مجاز؛ كقولهم: عيشة راضية، وسيل مفعم، وشعر شاعر، ونهاره صائم، ونهر جار، وبنى الأمير المدينة.
ــ
عن ابن قتيبة قولان غريبان آخذان بطرفى الإفراط والتفريط، والحق بينهما - إن شاء الله تعالى - ولا يخفى ما فى كلام الراغب من الاعتراك.
(تنبيه): الحقيقة والمجاز التركيبيان هل هما لغويان أو لا؟ وذلك مبنى على أن المركبات موضوعة أو لا، إن قلنا بالأول فنعم، وإلا فلا، وقد أوعيت الكلام على هذه المباحث فى شرح المختصر فليطلب منه.