وأمّا العطف، ف:
١ - لتفصيل المسند إليه مع اختصار، نحو: جاءنى زيد وعمرو.
ــ
فإذا بنيته للمفعول فقلت: سلب زيد، ينبغى أن تقول: ثوبه منصوبا فإن قلت: سلب زيد ثوبه على أن يكون ثوبه مرفوعا على بدل الاشتمال، صار معنى الكلام: سلب ثوب زيد، فتحتاج حينئذ لمفعول ثان، ويصير المعنى: سلب ثوب زيد بياضه مثلا، وهو معنى لا ينطبق على قولنا: سلب زيد، ثم إن المشتمل فى بدل الاشتمال هو الأول لا الثانى، والثوب مشتمل على زيد لا بالعكس، فلا يصح. نعم إن ثبت أن سلب يستعمل متعديا لمفعول واحد بمعنى أخذ، صح ذلك، والأولى التمثيل بقولك: أعجبنى زيد علمه. فان قلت: هلا ذكر بدل الغلط وبدل البداء؟ قلت: لأنهما كالمستقلين بأنفسهما عن المبدل منه، فلا نسبة بينهما يتكلم عليها، على أن فى ثبوت بدل الغلط فى كلام العرب خلافا ثم نقول: ليسا فصيحين، فليسا من موضوع هذا العلم.
ومن البدل فى غير المسند إليه: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (١) وهذه أقسام البدل لا غيرها بالاستقراء، وما يتوهم بعضهم من أن ثم قسما يقال له: بدل كل من بعض، فى نحو: رأيت القمر فلكه، وهم فإن وقع شئ من ذلك فى كلام معتبر، فهو بدل كل من كل، غايته أن البدل اشتمل على زيادة معنى ليس فى المبدل،
وذلك لا ينافى البدلية، وهذا التخريج أحسن من حمله على بدل الغلط. وحكم المصنف بأن: جاء زيد أخوك، بدل، وأن جاء صديقك زيد، عطف بيان مع صلاحية كل منهما لهما. فيه نظر، ولا يصح الاعتذار بأن صديقك عام، فكان الخاص بيانا، وإذا عكس لم يتجه البيان؛ لأن العام فى هذا المثال أريد به الخاص، ولا يمتنع أن يقع العام المراد به الخاص بدلا ومبدلا منه.
العطف على المسند إليه:
ص: (وأما العطف إلخ).
(ش): يريد عطف النسق، ويكون لأحد أشياء:
الأول: أن يقصد تفصيل المسند إليه مع الاختصار، نحو: جاء: زيد، وعمرو، وبكر.
_________________
(١) سورة الفاتحة: ٦، ٧.
[ ١ / ٢٢٤ ]
٢ - أو المسند كذلك؛ نحو: جاءنى زيد فعمرو، أو ثمّ عمرو، أو جاءنى القوم حتى خالد.
ــ
الثانى: أن يقصد تفصيل المسند مع اختصار، نحو: جاء زيد فعمرو؛ لأن عطفه بالفاء يقتضى إسناد فعلين إليهما، هكذا نقل عن سيبويه. وينبغى أن يسمى هذا تعدد المسند إليه والمسند معا، ويلزم من تعدد المسند إليه، تعدد المسند. ففى جاء زيد، وعمرو، ولا شك أنهما مجيئان؛ لاستحالة صدور الفعل الواحد من فاعلين؛ إلا إذا حصل التعاون فيه، مثل: حمل الصخرة زيد وعمرو وبكر على تكلف فيه، فإن كل واحد، إنما حمل بعضها؛ لكن يصدق أن حملها، فعل صدر من جماعة اشتركوا فيه، فأما قول سيبويه فى نحو: مررت بزيد وعمرو، أنه مرور واحد بهما، بخلاف مررت بزيد فعمرو، فسببه أن الفاعل واحد فيمكن فيه ذلك.
وقد يقال: إنك إذا قلت: قام زيد وعمرو، فقد جردت من قيامهما حقيقة كلية واحدة، أخبرت بها، ولذلك كان العامل فى المعطوف عليه، هو العامل فى المعطوف، ولا يتضح هذا المعنى فى العطف فى الفاء؛ لأن الترتيب ينفى إرادة الحقيقة الكلية؛ وإن كان يمكن القول به بأن يخبر بالقيام، ويريد به ما يشمل القيامين معا، وكذلك يتعدد المسند إذا كان العطف بثم، أو حتى، غير أنه لا بد فى حتى من تدريج. قال المصنف:
كما ينبئ عنه قول الشاعر:
وكنت فتى من جند إبليس فارتمى بى الحال حتى صار إبليس من جندى
فلو مات قبلى كنت أحسنت بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدى (١)
وأورد على المصنف أن حتى هذه ليست عاطفة.
(قلت): لا يخفى على المصنف ذلك؛ لكنه أراد أن يمثل لدلالة حتى على التدريج، وهى تدل عليه عاطفة كانت، أم غير عاطفة، ولهذا قال: كما ينبئ عنه قوله، ولم يقل: ومنه قوله. أو يكون بناء على أن حتى تعطف الجمل؛ لكن فيه بعد؛ لأن ارتمى بى الحال، لا يستقل بمعنى الكلام.
_________________
(١) البيتان لأبى نواس، والأول منهما فى المفتاح ص ١٠٢، وحتى فيه ليست عاطفة، وإنما يقصد التمثيل بها لإفادتها التدريج، وإنما لم تكن عاطفة لأن المشهور أنها لا تأتى فى عطف الجمل، ولأن الجملة قبلها لا يستقل بها الكلام حتى يصح العطف عليها عند من يقول بصحة العطف بها فى الجمل.
[ ١ / ٢٢٥ ]
٣ - أو ردّ السامع إلى الصواب؛ نحو: جاءنى زيد لا عمرو.
٤ - أو صرف الحكم إلى آخر؛ نحو: جاءنى زيد بل عمرو، وما جاءنى عمرو بل زيد.
٥ - أو الشكّ أو التشكيك للسامع؛ نحو: جاءنى زيد أو عمرو.