لعل الأصمعي «٢١٤ هـ» أول من ذكر «الالتفات»، فقد حكى عن
[ ١٤٢ ]
إسحاق الموصلي أنه قال: قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت:
وما هو؟ فأنشدني قوله:
أتنسى إذ تود عنا سليمى بعود بشامة؟ سقي الغمام
أما تراه مقبلا على شعره، إذ التفت إلى البشام فذكره فدعا له (١).
وقد عدّ ابن المعتز «الالتفات» من محاسن الكلام وبديعه، فعرفه ومثل له بعدة أمثلة من القرآن الكريم والشعر. ففي تعريفه له يقول:
«الالتفات هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك. ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر» (٢).
ثم مثل لانصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، أو بعبارة أخرى لانصرافه عن الخطاب إلى الغيبة بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
فالالتفات في الآية الكريمة هو في قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وعن هذا الالتفات يقول ابن الأثير:
«فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم.
_________________
(١) انظر كتاب العمدة ج ٢ ص ٤٤، وكتاب الصناعتين ص ٣٩٢، والبشام: شجر ذو ساق وأفنان وورق ولا ثمر له.
(٢) كتاب البديع ص ٥٨.
[ ١٤٣ ]
ولو أنه قال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة» (١).
ومثل ابن المعتز كذلك لانصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، أو بعبارة أخرى لانصرافه عن الغيبة إلى الخطاب بقول جرير:
طرب الحمام بذي الأراك فشاقني لا زلت في علل وأيك ناضر (٢)
فجرير قد أخبر عن الغائب في الشطر الأول وهو «الحمام»، ولكنه في الشطر الثاني انصرف عن الاستمرار في خطاب هذا الغائب والتفت إلى مخاطبته بقوله «لا زلت في علل وأيك ناضر» لزيادة فائدة في المعنى هي الدعاء للحمام.
أما النوع الثالث من الالتفات عند ابن المعتز وهو انصراف المتكلم عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر فقد مثل له بقول أبي تمام:
وأنجدتمو من بعد اتهام داركم فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
فالشاعر، وهو المتكلم هنا، يخبر من يخاطبهم بأنه يعلم أنهم قد اتخذوا دارهم في نجد بعد أن كانت في تهامة، ثم ينصرف أو يلتفت بعد ذلك إلى معنى آخر يتمثل في دعاء الدمع ومطالبته بأن يسعفه على ساكني نجد.
وجاء قدامة بن جعفر بعد ابن المعتز فعد «الالتفات» من نعوت
_________________
(١) المثل السائر ص ١٧٠.
(٢) العلل بفتح العين واللام: الشرب بعد الشرب تباعا، والأيك: شجر، الواحدة أيكة، ويقال شجر من الأراك.
[ ١٤٤ ]
المعاني وعرّفه بقوله: «الالتفات أن يكون الشاعر آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادا يرد عليه قوله، أو سائلا يسأله عن سببه فيعود راجعا إلى ما قدمه، بمعنى يلتفت إليه بعد فراغه، فإما أن يذكر سببه أو يجلي الشك فيه» (١).
ومن أمثلة ذلك عنده قول المعطل الهذلي:
تبين صلاة الحرب منا ومنهمو إذا ما التقينا والمسالم بادن (٢)
فقوله: «والمسالم بادن» رجوع عن المعنى الذي قدمه حين بيّن أن علامة «صلاة الحرب» من غيرهم أن المسالم يكون بادنا والمحارب ضامرا.
ومن أمثلته أيضا قول الرماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ولا وصله يبدو لنا فنكارمه (٣)
فكأنه يقول: «وفي اليأس راحة» والتفت إلى المعنى لتقدير أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه أي هجره؟ فيقول مبينا علة ما يرجوه من انكشاف صرمه وهجره: لأنه يؤدي إلى اليأس، وفي اليأس راحة.
ومن يقارن مفهوم «الالتفات» عند ابن المعتز وقدامة، ثم يتابع مفهومه عند غيرهم من أمثال أبي هلال العسكري، وابن رشيق، وفخر الدين الرازي والسكاكي، يجد أن منهم من يستوحي مفهوم الالتفات عند
_________________
(١) كتاب نقد الشعر لقدامة ص ١٠٦.
(٢) تبين: تستبين صلاة الحرب بضم الصاد: الذين يقاسون حرها وشدتها وأهوالها جمع صال، مثل: قاض وقضاة.
(٣) الصرم بفتح الصاد: ضد الوصل وهو الهجر والصد.
[ ١٤٥ ]
ابن المعتز أو قدامة، ومنهم من يخلط بين هذا الفن البديعي والاعتراض.
وخير من عرض لموضوع «الالتفات» في نظرنا هو ضياء الدين ابن الأثير، فقد عالجه بوضوح وفهم لأسراره البلاغية، ولهذا آثرنا أن ننقل هنا خلاصة لكلامه عن «الالتفات» توضح حقيقته ووظيفته البلاغية، وتجنبنا الخلط الكثير الذي وقع فيه غيره من البلاغيين.
يستهل ابن الأثير كلامه، عن هذا الفن من فنون البديع المعنوي ببيان حقيقته فيقول: «وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقيل بوجهة تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة، لأنه
ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقالات من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
ويسمى أيضا «شجاعة العربية»، وإنما سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات» (١).