التفريق في اللغة ضد الاجتماع.
والتفريق في اصطلاح البديعيين هو إيقاع تباين بين أمرين من نوع، في المدح وغيره. وهذا معناه أن المتكلم أو الناظم يأتي إلى شيئين من نوع واحد فيوقع بينهما تباينا وتفريقا بفرق يفيد زيادة وترجيحا فيما هو بصدده من مدح أو ذم أو نسيب أو غيره من الأغراض الأدبية.
ومن أمثلة التفريق قول رشيد الدين الوطواط:
_________________
(١) السرب بكسر السين وسكون الراء: النفس وهو المراد هنا، ومن معانيها أيضا: الجماعة من النساء والبقر والقطا والشاء والوحش، والجمع أسراب، والحذافير: النواحي، واحدها حذفار.
[ ١٥٦ ]
ما نوال الغمام وقت ربيع كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين (١) ونوال الغمام قطرة ماء
فالشاعر هنا قد أوقع التباين بين النوالين أي العطائين: نوال الغمام ونوال الأمير، مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق نوال.
ومن أمثلة التفريق أيضا قول الشاعر:
من قاس جدواك بالغمام فما أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا وهو إذا جاد دامع العين
فهنا شيئان من نوع واحد هما جدوى الممدوح وجدوى الغمام، أي عطاؤهما، وقد أوقع الشاعر تباينا بينهما بفرق يفيد زيادة وترجيحا لكفة عطاء الممدوح، فهو يعطي ضاحكا فرحا بالعطاء، على حين يعطي الغمام دامع العين، كأنما هناك قوة تدفعه إلى العطاء على غير إرادة منه.
ومنه قول الشاعر:
قاسوك بالغصن في التثني قياس جهل بلا انتصاف
هذاك غصن الخلاف يدعى وأنت غصن بلا خلاف
فالشاعر أتى هنا بشيئين من نوع واحد على التشبيه هما: غصن شجر الخلاف أي الصفصاف، وقوام صاحبته الذي يشبه الغصن في التثني، ثم أوقع التباين والتفريق بينهما لفائدة معنوية ادعاها، وهي تفضيل قوام صاحبته على غصن الخلاف، لأن الأخير تنفر النفس عنه لاسمه «الخلاف»
_________________
(١) العين: من معانيها النقد عامة من دراهم ودنانير وغيرها وهو المقصود هنا، والبدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف، وهذا الكيس يصنع من جلد ولد الضأن إذا فطم، فبدرة عين: كيس مملوء بالدراهم أو الدنانير أو غيرها، والنوال: العطاء.
[ ١٥٧ ]
أما الأول وهو قوام صاحبته فغصن لا خلاف ولا شك فيه. وفي «خلاف» و«خلاف» جناس تام لتشابه اللفظين نطقا لا معنى، واتفاق حروفهما هيئة ونوعا وعددا وترتيبا.
ومن التفريق أيضا قول صفي الدين الحلي في مدح الرسول:
فجود كفيه لم تقلع سحائبه عن العباد وجود السحب لم يدم
ففي البيت شيئان من نوع واحد هما: جود كفي الرسول صلوات الله عليه وجود السحب، وقد أوقع الشاعر تباينا بينهما مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق جود.
وقد قصد الشاعر من وراء هذا التباين أو التفريق بين الشيئين من نوع واحد إلى غرض بلاغي هو ترجيح وتفضيل جود كفي الرسول على جود السحب، فجود كفي الرسول على العباد متصل دائم وجود السحب منقطع غير دائم.