هو توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد. وهذا هو معنى قول السكاكي: «السجع في النثر كالقافية في الشعر».
والأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال
[ ٢١٥ ]
مطلوب في جميع الأشياء والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند
توافق الفواصل على حرف واحد هو المراد من السجع، إذ لو كان الأمر كذلك لكان كل أديب من الأدباء سجاعا.
وإنما ينبغي في السجع بالإضافة إلى ما تقدم أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لا غثة ولا باردة. والمراد بغثاثة الألفاظ وبرودتها أن صاحبها يصرف النظر إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وتراكيبها وما يشترط لكليهما من صفة الحسن.
فإذا صفّي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرودة فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ، وإلا كان كظاهر مموّه على باطن مشوّه.
فإذا توافرت هذه الأمور فإن وراءها مطلوبا آخر، وهو أن تكون كل واحدة من الفقرتين أو السجعتين المزدوجتين دالة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه الأخرى. فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه، لأن التطويل إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه.
وإذا رجعنا إلى كلام أعلام الكتاب المشهود لهم بالتفوق في النثر الفني من أمثال الصابي وابن العميد وابن عباد والحريري في مقاماته وابن نباتة في خطبه وجدنا أكثر المسجوع من كلامهم كذلك والأقل منه هو المستوفي لشروط السجع الحسن.
وهذه الشروط، كما يقول ابن الأثير، تتمثل في ثلاثة أمور: الأول
[ ٢١٦ ]
اختيار مفردات الألفاظ المسجوعة والتراكيب، بحيث تكون بعيدة عن الغثاثة والبرودة، والثاني أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى لا المعنى تابعا للفظ، والثالث أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها.
ومن السجع الحسن المستوفي لهذه الشروط قول ابن الأثير من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، قال: «الكريم من أوجب لسائله حقا، وجعل كواذب آماله صدقا، وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم ير بين ذممه ورحمه فرقا. وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة».
ومن السجع الذي خرج إلى التطويل والتكرار لاتفاق السجعتين في معنى واحد وإن اختلفت الألفاظ قول الصابي من تحميد في كتاب:
«الحمد لله الذي لا تدركه العيون بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه
الدهور بكرورها، ثم الصلاة على النبي الذي لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه».
فلا فرق هنا بين مرور العصور وكر الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم.