ويقال لها أيضا: التطبيق، والطباق، والتضاد.
والمطابقة في أصل الوضع اللغوي أن يضع البعير رجله موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل: طابق البعير.
وقال الأصمعي: المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي
[ ٧٦ ]
ذوات الأربع. وقال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين، إذا جمعت بينهما على حد واحد.
وليس بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية أدنى مناسبة، ذلك لأن المطابقة أو الطباق في اصطلاح رجال البديع هي: الجمع بين الضدين أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر. كالجمع بين اسمين متضادين من مثل: النهار والليل، والبياض والسواد، والحسن والقبح، والشجاعة والجبن، وكالجمع بين فعلين متضادين مثل: يظهر ويبطن، ويسعد ويشقى، ويعز ويذل، ويحيي ويميت. وكذلك كالجمع بين حرفين متضادين، نحو قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، فالجمع بين حرفي الجر «اللام وعلى» مطابقة، لأن في «اللام» معنى المنفعة وفي «على» معنى المضرة، وهما متضادان، ومثله قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولا ليا
وقد تكون المطابقة بالجمع بين نوعين مختلفين كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ فإن أحد المتضادين اسم وهو «ميتا» والآخر فعل وهو «أحييناه».
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع المصري: المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة. وضرب يأتي بألفاظ المجاز.
١ - فالضرب الذي يأتي بألفاظ الحقيقة هو ما يسمى المطابقة أو الطباق، ومن أمثلته قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا، وقوله تعالى أيضا: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ، وقوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ.
[ ٧٧ ]
ومنه قول النبي ﷺ: «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة للكبر، ومن الحياة للموت، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الحياة مستعتب (١)، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».
ومن شواهد المطابقة الحقيقية شعرا قول الحماسي:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وقول آخر:
لئن ساءني إن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالك
٢ - والضرب الذي يأتي بألفاظ المجاز يسميه قدامة بن جعفر «التكافؤ» ومنه قول الشاعر:
حلو الشمائل وهو مر باسل يحمي الدمار صبيحة الإرهاق
فقوله «حلو ومر» يجري مجرى الاستعارة، إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.
ومنه أيضا قول الشاعر:
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة هي بين «اليقظان والنائم»، ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز. وهذا هو «التكافؤ» عند قدامة وابن أبي الأصبع.
أما المطابقة عند قدامة ومن اتبعه فهي اجتماع المعنيين المختلفين في لفظة واحدة مكررة، كقول زياد الأعجم:
_________________
(١) استرضاء، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها، وقيل: رجوع عن الخطأ والذنب وطلب للرضا.
[ ٧٨ ]
ونبئتهم يستنصرون بكاهل وللؤم فيهم كاهل وسنام
فاللفظة المكررة هنا هي «كاهل» ومعناها في الشطر الأول من البيت «من يعتمد عليه في الملمات، يقال: فلان كاهل بني فلان أي معتمدهم في الملمات وسندهم في المهمات». وهي في الشطر الثاني: مقدّم أعلى الظهر مما يلي العنق.