يعد قدامة بن جعفر من أوائل من تكلموا عن «المقابلة» فقد ذكرها في معرض الحديث عن بعض الخصائص الأسلوبية التي تعلي من قيمة الشعر. قال قدامة: «والذي يسمى به الشعر فائقا، ويكون إذا اجتمع فيه مستحسنا صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، واعتدال الوزن، وإصابة التشبيه، وجودة التفصيل، وقلة التكلف، والمشاكلة في المطابقة.
وأضداد هذا كله معيبة تمجّها الآذان، وتخرج عن وصف البيان» (١).
وقد عرفها في كتابه «نقد الشعر» بقوله: وصحة المقابلة أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق أو المخالفة بين بعضها وبعض، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف على الصحة، أو يشرط شروطا أو يعدد أحوالا في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما
_________________
(١) كتاب نقد النثر لقدامة ص ٨٤.
[ ٨٤ ]
يخالف بضد ذلك (١) ومن أمثلته على ذلك قول الشاعر:
أموت إذا ما صد عني بوجهه ويفرح قلبي حين يرجع للوصل
وقد علّق قدامة على البيت بقوله: «فجعل ضد الموت فرح القلب، وضد الصد بوجهه الوصل، وهذه مقابلة قبيحة، ولو قال:
أموت إذا ما صدّ عني بوجهه وأحيا إذا مل الصدود وأقبلا
فجعل جزاء الموت الحياة، وجزاء الصد بالوجه الإقبال لكان مصيبا» (٢).
وجاء أبو هلال العسكري بعد قدامة فعرف المقابلة بقوله: «هي إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على وجه الموافقة أو المخالفة، نحو قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا، فالمكر من الله تعالى العذاب، جعله الله ﷿ مقابلة لمكرهم بأنبيائه وأهل طاعته» (٣).
وعرّف ابن رشيق القيرواني المقابلة بقوله: «هي ترتيب الكلام على ما يجب، فيعطى أول الكلام ما يليق به أولا وآخره ما يليق به آخرا، ويؤتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. وأكثر ما تجيء المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة، مثال ذلك ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو:
فيا عجبا كيف اتفقنا فناصح وفي ومطويّ على الغلّ غادر
_________________
(١) نقد الشعر ص ٩٥.
(٢) نقد النثر ص ٨٥.
(٣) كتاب الصناعتين ص ٣٣٧.
[ ٨٥ ]
فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة» (١).
كذلك عرف الخطيب القزويني المقابلة في كتابه التلخيص بقوله:
«هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب» (٢) وهو يعني بالتوافق خلاف التقابل، نحو قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا.
ومن التعاريف السابقة يمكن القول بأن المقابلة هي: أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب.
والبلاغيون مختلفون في أمر المقابلة، فمنهم من يجعلها نوعا من المطابقة ويدخلها في إيهام التضاد، ومنهم من جعلها نوعا مستقلا من أنواع البديع، وهذا هو الأصح، لأن المقابلة أعم من المطابقة.
وصحة المقابلات تتمثل في توخي المتكلم بين الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني، لا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق. ومتى أخل بالترتيب كانت المقابلة فاسدة.