هذا والأسجاع مبنية على سكون الاعجاز، أي أواخر فواصل الفقرات، لأن الغرض هو التواطؤ والمزاوجة بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف بالسكون، كقولهم: «ما أبعد ما فات! وما أقرب ما هو آت!».
فلو لم نقف هنا على أواخر الفقرات بالسكون ووصلنا الكلام لاستدعى الأمر إجراء كل من الفقرتين على ما يقتضيه حكم الإعراب فتكون التاء الأولى مفتوحة والثانية مكسورة منونة، وبذلك يفوت الغرض من السجع.
وبعد فلا تفوتنا الإشارة إلى اختلاف أرباب صناعة الكلام حول السجع وقيمته البلاغية. فمنهم من يعيبه ويعده من الأساليب التي تقوم أكثر ما تقوم على الصنعة والتكلف والتعسف. وهم يستدلون على وجهة نظرهم هذه بما آل إليه البيان العربي من تدهور وانحطاط في العصور التي شاع فيها استعمال السجع.
ومنهم من استحسنه ودافع عنه محتجا بأنه لو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم، حيث لا تكاد سورة تخلو منه، بل إن من سوره ما جاءت جميعها مسجوعة كسورة الرحمن وسورة القمر وغيرهما.
كذلك يحتجون بأن الصنعة والتكلف والتعسف ليست أمورا مقصورة على أسلوب السجع، وإنما هي أمور من الجائز أن تلحق بالسجع كما تلحق بغيره من الأساليب. وليس العيب في السجع ذاته وإنما العيب فيمن يحاوله ثم يعجز عن حسن استخدامه.
[ ٢٢٣ ]
ولعل عبد القاهر الجرجاني خير من فصل في هذه القضية، فهو يقرر في معرض الكلام عن التجنيس والسجع أنهما يختصان بالقبول والحسن عند ما يكون المعنى هو الذي يقود المتكلم نحوهما لا أن يقوداه إلى المعنى.
حتى أنه لو تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس ولا سجع فيه لنسب إليه ما ينسب إلى المتكلف للتجنيس المستكره والسجع النافر.
وفي ذلك يقول: «ولن تجد أيمن طائرا وأحسن أولا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب إلى الاستحسان من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس منها إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها.
فأما أن تضع في نفسك أنك لا بد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم. فإن ساعدك الجد كما ساعد المحدث- يعني أبا الفتح البستي- في قوله:
ناظراه فيما جنى ناظراه أو دعاني أمت بما أودعاني
وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله:
وأنجدتمو من بعد اتهام داركم فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
فذاك. وإلا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب» (١).