أول من تكلم عن هذا الفن البديعي اللفظي عبد الله بن المعتز،
_________________
(١) كتاب أسرار البلاغة ص ٤ - ١٠.
[ ٢٢٤ ]
فقد عده في كتابه أحد فنون البديع الخمسة الكبرى، وسماه «رد أعجاز الكلام على ما تقدمها»، وقسمه ثلاثة أقسام ومثل له نثرا وشعرا للدلالة على أنه يرد في الكلام بنوعيه. وأقسامه عنده هي:
١ - ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة في نصفه مثل قول الشاعر:
تلقى إذا ما الأمر كان عرمرما في جيش رأى لا يفلّ عرمرم
٢ - ما يوافق آخر كلمة فيه أول كلمة في نصفه الأول، كقول الشاعر:
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه وليس إلى داعي الندى بسريع
٣ - ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه، كقول الشاعر:
عميد بني سليم أقصدته سهام الموت وهي له سهام
ومن هذا النوع عنده قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. وقوله تعالى أيضا: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* (١).
أما المتأخرون من رجال البديع فمنهم من سمى هذا الفن «رد العجز على الصدر»، ومنهم من سماه «التصدير»، لأن هذه التسمية في نظرهم أدل على المطلوب وأليق بالمقام وأخف على المستمع.
والخطيب القزويني وهو من المتأخرين يقرر أن رد العجز على الصدر
_________________
(١) كتاب البديع لا بن المعتز ص ٤٧.
[ ٢٢٥ ]
يرد في النثر والشعر على السواء، ثم يعرفه بقوله: «وهو في النثر أن يجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة والآخر في آخرها. وهو في النظم أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو آخره أو صدر المصراع الثاني».
واللفظان «المكرران» هما المتفقان في اللفظ والمعنى، و«المتجانسان» هما المتشابهان في اللفظ دون المعنى، و«الملحقان بهما» أي بالمتجانسين وهما اللفظان اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبه الاشتقاق.
فمن أمثلة المكررين وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ.
ومن المتجانسين، أي المتشابهين لفظا لا معنى وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قول القائل: «سائل
اللئيم يرجع ودمه سائل».
ومن اللفظين اللذين يجمعهما الاشتقاق أو شبهه، وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا وقوله تعالى أيضا: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، ومنه حديث الرسول: «من مقت نفسه فقد آمنه الله من مقته».
ومن اللفظين اللذين يجمعهما شبه الاشتقاق قوله تعالى: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ. فاللفظة الأولى هنا قالَ مشتقة من القول، واللفظة الأخيرة واحدها قالَ بالتنوين اسم فاعل مشتق من القلي بكسر القاف وهو البغض، فيجمع بينهما شبه الاشتقاق من جهة اللفظ لا المعنى.