وفي القرن الخامس الهجري نلتقي بأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، الإمام النحوي وأحد علماء الكلام على مذهب
[ ٢٨ ]
الأشاعرة. ولد وعاش بجرجان ولم يفارقها حتى توفي سنة ٤٧١ من الهجرة.
وله مؤلفات قيمة في النحو والعروض وإعجاز القرآن، والتفسير، والبلاغة، ولكنه اشتهر أكثر ما اشتهر بكتابه «دلائل الإعجاز» الذي وضع فيه نظرية علم المعاني، وكتابه «أسرار البلاغة» الذي وضع فيه نظرية علم البيان.
وهو لهذا يعد بحق مؤسس البلاغة العربية، والمشيد لأركانها، والموضح لمشكلاتها، والذي على نهجه سار المؤلفون من بعده، وأتموا البنيان الذي وضع أسسه.
والمتصفح لكتابيه السابقين «الدلائل» و«الأسرار» يرى أنه لم يحاول فيهما وضع نظرية في علم البديع، كما فعل بالنسبة لعلمي المعاني والبديع، ولو أنه فعل لأعفى أصحاب البديع من توزع مباحثهم فيه توزعا حال بينها وبين أن تصير علما واضح المعالم والمباحث كالمعاني والبيان.
ومع ذلك فقد تكلم في «أسرار البلاغة» عن ألوان من البديع هي:
الجناس، والسجع، وحسن التعليل، مع الإشارة أحيانا إلى الطباق والمبالغة.
وحديثه عن هذه المحسنات ليس لأغراض بديعية بمقدار ما هو لأغراض بيانية. وتفصيل ذلك أنه في «أسرار البلاغة» يحاول الكشف عن المعاني الإضافية التي تشتمل عليها الأساليب البيانية من تشبيه وتمثيل ومجاز واستعارة، ولهذا أجمل في مقدمة «الأسرار» النظرية التي توصل إليها في «دلائل الإعجاز» والتي تأبى أن يكون للألفاظ من حيث هي ألفاظ مزية ذاتية في الكلام، فالشأن دائما للتراكيب وصورة نظمها وتأليفها. ولكي يقيم على
ذلك الدليل الذي لا يدحض عرض للجناس والسجع من فنون
[ ٢٩ ]
البديع، وراح يثبت أن الجمال فيهما لا يرجع إلى جمال الألفاظ من حيث هي، وإنما يرجع إلى ترتيب المعاني في الذهن ترتيبا يؤثر في النفس، ويضرب لذلك مثلا من أمثلة الجناس وهو قول أبي الفتح البستي:
ناظراه فيما جنى ناظراه أو دعاني أمت بما أو دعاني
ويعلق عليه بقوله: «قد أعاد- الشاعر- عليك اللفظ، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة ووفّاها، فبهذه السريرة صار التجنيس، وخصوصا المستوفى منه المتفق في الصورة، من حلى الشعر، ومذكورا في أقسام البديع» (١).
فجمال الجناس عنده في مثل بيت أبي فتح البستي يرجع إلى المفاجأة، وأن الكلمة ترى كأنها لا تعطيك شيئا جديدا وهي في الحقيقة تعطي كثيرا، وبذلك يؤثر الجناس التام بما فيه من خداع وخفاء لا يلبث أن ينكشف، ومن ثم عد من حلى الشعر، وذكر في أقسام البديع. وكل هذا يرجع إلى المعنى النفسي لا إلى اللفظ، ويضرب مثالا للجناس الناقص قول أبي تمام:
يمدون من أيد عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب
ويعقب عبد القاهر بأن تأثير الجناس ينبعث من المعنى النفسي أيضا، فإن السامع يتوهم قبل أن يرد عليه الحرف الأخير في كلمتي «عواصم، وقواضب» أن الكلمتين السابقتين لهما ستعودان ثانية، ومن هنا يأتي التأثير، يقول: «تعود إليك الكلمة مؤكدة حتى إذا تمكن في نفسك تمامها، ووعى سمعك آخرها، انصرفت عن ظنك الأول، وزلت عن الذي سبق من التخيل، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن
_________________
(١) أسرار البلاغة ص: ٤ - ٥.
[ ٣٠ ]
يخالطك اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال» (١).
وعن السجع يورد عبد القاهر أمثلة للحسن منه قول القائل: اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال.
ومثل قول الفضل بن عيسى الرقاشي: سل الأرض، فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. ثم يذكر أنه ليس هنا لفظ اجتلب من أجل السجع، وترك له ما هو أحق بالمعنى
منه.
وعلى ذلك فالجناس أو السجع عنده لا يكتسب صفة القبول أو الحسن حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، بحيث لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا، أي أن المعنى هو الذي يقود المتكلم نحو الجناس والسجع، لا أن يقود هو المعنى إليهما.
وفي معرض البحث في السرقات الشعرية تكلم عبد القاهر عن التعليلات الخيالية التي يسوقها الشعراء في أشعارهم والتي أطلق عليها البلاغيون اسم «حسن التعليل» كقول القائل:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته لما رأيت عليها عقد منتطق
وإجمال القول هنا أن عبد القاهر الذي وضع نظريتي علم المعاني وعلم البيان لم يتوسع في البديع توسعه في المعاني والبيان، وأن حديثه في «أسرار البلاغة» عن الجناس والسجع وحسن التعليل والطباق لم يكن مقصودا لذاته، وإنما جاء كلامه عنها في معرض الاستدلال على نظريته القائلة بأن الألفاظ ليست لها مزية ذاتية في الكلام من حيث هي ألفاظ،
_________________
(١) نفس المرجع ص: ١٣.
[ ٣١ ]
وإنما المزية تأتي دائما من قبل التراكيب وصورة نظمها وتأليفها. ذلك لأن الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب.