اسلم ودمت على الحوادث مارسا ركنا ثبير أو هضاب حراء (١)
ونل المراد ممكنا منه على رغم الدهور وفز بطول بقاء
فهذان البيتان من بحر الكامل التام والقافية هي الهمزة، ولكن إذا حذفنا من البيت الأول «أو هضاب حراء» ومن الثاني «وفز بطول بقاء» ظل البيتان قائمين وتحولا من بحر الكامل التام إلى بحر آخر هو مجزوء الكامل، وأصبحت صورتهما هكذا:
اسلم ودمت على الحوا دث مارسا ركنا ثبير
ونل المراد ممكنا منه على رغم الدهور
ويعقب ضياء الدين على هذا النوع بأنه لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم، وأن حسنه منوط بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البراعة.
_________________
(١) ثبير: الجبل المعروف عند مكة. حراء جبل بمكة فيه غار، وكان الرسول، قبل أن يوحى إليه، يأتيه ويخلو بغاره فيتحنث فيه، أي يتعبد لله.
[ ٤٨ ]
وقد أشار صاحب المثل السائر أخيرا إلى اختلاف البلاغيين في بعض مصطلحات الفنون البديعية وألقابها، بل منهم من يضع لفن واحد من البديع اسمين اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك بل هما نوع واحد، وذلك كما فعل «الغانمي» حينما ذكر «التبليغ» و«الإشباع» على أنهما نوعان من البديع مختلفان، مع أنهما من حيث المضمون سواء، لا فرق بينهما بحال، كما ذكر أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين النوعين بعينهما «الإيغال»، وهو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، أي قافيته، ثم يأتي بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر، كقول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية وهو «كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع» فلما احتاج إلى القافية
وجاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.
ولا يفوت ضياء الدين بعد ذلك أن يشير إلى ولع بعض الكتاب والشعراء بالمحسنات البديعية وتفننهم في اختراع صور منها خرجت بالكلام عن موضوع علم البيان.
وممن فعل ذلك الحريري في رسائل تضمنتها بعض مقاماته، ففي رسالة نراه يبيّنها على كلمة مهملة وكلمة معجمة، كقوله: «الكرم، ثبت الله جيش سعودك، يزين، واللؤم، غض الدهر جفن حسودك، يشين، والأروع يثيب، والمعور (١) يخيب».
وفي رسالة ثانية يبنيها على عبارات تقرأ طردا وردا، أي لا تستحيل
_________________
(١) المعور: كل من بدا فيه موضع خلل للضرب.
[ ٤٩ ]
بالانعكاس، كقوله: «لذ بكل مؤمل إذا لّم وملك بذل».
وقوله:
أسل جناب غاشم مشاغب إن جلسا
وفي رسالة ثالثة يبنيها على صورة تجعلها تقرأ من أولها بوجه، ومن آخرها بوجه آخر، كقوله: «الإنسان صنيعة الإحسان، وكسب الشكر استثمار السعادة، وفصاحة المنطق سحر الألباب، وزينة الرعاة مقت السعاة، وتناسي الحقوق ينشئ العقوق».
وفي رسالة رابعة ينشئها على أساس حرف غير منقوط، وآخر منقوط كقوله:
سيّد قلّب سبوق مبرّ فطن مغرب عزوف عيوف
مخلف متلف أغرّ فريد نابه فاضل زكيّ أنوف
ويعلق ضياء الدين بن الأثير على مثل هذه الحيل البديعية بقوله:
«كل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة، لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، وكذلك البلاغة، فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني وهذا الكلام المصوغ بما أتى به الحريري في رسائله لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه ولا داخلا في بابه. ولو كان ذلك مما يوصف بحسن في ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله ﷿ الذي هو معدن
الفصاحة والبلاغة، أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم وخطبهم» (١).
_________________
(١) المثل السائر ص: ٣٠٨.
[ ٥٠ ]
وأخيرا يصدر حكمه على هذا النوع من الكلام بقوله: «وكل ذلك وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة لا بدرجة الفصاحة والبلاغة» (١).
وكأني بصاحب المثل السائر يرمي من وراء هذا التعليق إلى التنبيه على خطورة الإسراف في اختراع الحيل البديعية التي تفسد الأدب والذوق معا، وتعطي الغلبة في صناعة القول للصنعة على الطبع.
ولعل فيما أوردناه عن ضياء الدين بن الأثير ما يعطي صورة عن فنون البديع التي عالجها كجزء من علم البيان لا كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر والزمخشري والسكاكي ومن تأثر بهم.