عرفنا من المقدمة السابقة في نشأة البديع وتطوره أن عبد الله بن المعتز هو أول من قام بمحاولة علمية جادة في سبيل تأسيس علم البديع وتحديد مباحثه التي كانت من قبل مختلطة بمباحث علم المعاني وعلم البيان.
وتتمثل محاولته هذه في كتاب «البديع» الذي ألّفه وضمّنه ثمانية عشر فنا من فنون البديع. وقد مهدت محاولته
السبيل أمام البلاغيين من بعده فتأثروها وأفادوا منها في تطوير هذا العلم واستكمال مباحثه وقضاياه.
فقدامة بن جعفر وهو من معاصري ابن المعتز أولى البديع اهتمامه وزاد فيه تسعة أنواع جديدة، وأبو هلال العسكري اعتمد ما أتى به ابن المعتز وقدامة من فنون البديع وأضاف إليها حتى بلغت عنده سبعة وثلاثين نوعا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فزاد على من تقدموه تسعة أنواع لم يرد لها ذكر عندهم.
وهكذا أخذت فنون البديع تنمو وتتكاثر على تعاقب الأجيال
[ ٧٥ ]
والعصور حتى بلغت في القرن الثامن الهجري عند الشاعر صفي الدين الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا بديعيا.
وهذه المحسنات يقصد بها تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، ورعاية وضوح الدلالة بخلوها عن التعقيد المعنوي.
والمحسنات البديعية ضربان: معنوي يرجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضا.
وضرب لفظي يرجع إلى تحسين اللفظ أصلا، وإن تبع ذلك تحسين المعنى لأن المعنى (إن) عبّر عنه بلفظ حسن استتبع ذلك زيادة في تحسين المعنى.
وليس من غرضنا هنا التوسع في دراسة المحسنات البديعية إلى حد الإلمام بها جميعها، وإنما الغرض هو التركيز على أهم هذه المحسنات للتعرف عليها وبيان أثرها في تحسين الكلام لفظا ومعنى.
ولما كانت المعاني هي الأصل والألفاظ توابع وقوالب لها، فإننا نبدأ بدراسة المحسنات المعنوية.