وعند أبي هلال العسكري أن أجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة (١) أوجه:
أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وهو قول الله ﷿: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ (٢) يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، فأخرج ما لا يحس إلى ما يحس، والمعنى الذي يجمعهما بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة ولو قال: «يحسبه الرائي ماء» لم يقع موقع قوله: «الظمآن»؛ لأن الظمآن أشد فاقة إلى الماء، وأعظم حرصا عليه.
وهكذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ
_________________
(١) كتاب الصناعتين ص ٢٤٠.
(٢) القيعة بكسر القاف والقاع: المستوي من الأرض الذي لا ينبت.
[ ٧٠ ]
بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ. والمعنى الجامع بينهما بعد التلاقي، وعدم الانتفاع.
وكذلك قوله تعالى في حال من كذب بآياته ورفض الإيمان في كل حال «فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث»، أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب. والمعنى أن الكلب لا يطيعك في ترك
اللهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان في رفق ولا عنف.
ومثله قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ، فالمعنى الذي يجمع بينهما الحاجة إلى المنفعة، والحسرة لما يفوت من درك الحاجة.
والوجه الآخر:
ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة، كقوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، (١) والمعنى الجامع بين المشبه والمشبه به الانتفاع بالصورة.
ومن هذا قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، (٢) هو بيان ما جرت به العادة
_________________
(١) النتق: الزعزعة والنقض والرفع، ومعنى «نتقنا الجبل» زعزعناه ورفعناه، والظلة: الغمامة، والمراد بالجبل: جبل الطور.
(٢) سورة يونس ٢٤، اختلط به نبات الأرض: اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء وجودة الأرض، أخذت الأرض زخرفها: صار منظرها بهيجا، وازينت: أي بأشكال-
[ ٧١ ]
إلى ما لم تجر به، والمعنى الذي يجمع الأمرين الزينة والبهجة، ثم الهلاك، وفيه العبرة لمن اعتبر والموعظة لمن تذكر.
ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، فاجتمع الأمران في قلع الريح لهما وإهلاكهما، والتخوف من تعجيل العقوبة.
ومنه قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ، (١) والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر، وفيه الدلالة على عظم الشأن، ونفوذ السلطان.
ومنه قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا، والجامع بين الأمرين الإعجاب، ثم سرعة الانقلاب، وفيه الاحتقار، للدنيا، والتحذير من الاغترار بها.