وأداة التشبيه كل لفظ يدل على المماثلة والاشتراك، وهي حرفان وأسماء، وأفعال، وكلها تفيد قرب المشبه من المشبه به في صفته. والحرفان هما:
_________________
(١) الفوق بضم الفاء: فوق السهم، وهو موضع الوتر.
[ ٧٧ ]
١ - الكاف: وهي الأصل لبساطتها، والأصل فيها أن يليها المشبه به، كقول الشاعر:
أنا كالماء- إن رضيت- صفاء وإذا ما سخطت كنت لهيبا
وقول آخر:
أنت كالليث في الشجاعة والإقدام والسيف في قراع الخطوب (١)
وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به، وذلك إذا كان المشبه به مركبا، كقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، ولا بمفرد آخر يتعمل ويتمحل لتقديره، بل المراد تشبيه حالها في نضارتها وبهجتها وما يعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفا ثم يهيج فتطيّره الرياح كأن لم يكن. ونحو قول لبيد:
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلّوها وبعد بلاقع
فلبيد لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم بحلول أهل الديار فيها وسرعة نهوضهم عنها وتركها خالية.
٢ - كأن: وتدخل على المشبه أو يليها المشبه، كقول الشاعر:
كأن أخلاقك في لطفها ورقة فيها نسيم الصباح
وقول آخر:
وكأنّ الشمس المنيرة دينا رجلته حدائد الضّرّاب (٢)
_________________
(١) قراع الخطوب: مصارعة الشدائد والتغلب عليها.
(٢) جلته: صقلته. والضراب: الذي يطبع النقود.
[ ٧٨ ]
و«كأن» حرف مركب عند أكثر علماء اللغة من الكاف وإن.
قالوا: والأصل في «كأن زيدا أسد» «إن زيدا كأسد» ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به، ففتحت همزة «إن» لدخول الجار، وما بعد الكاف جرّ بها.
و«كأن» للتشبيه على الإطلاق، وهذا هو استعمالها الغالب والمتفق عليه من جمهور النحاة، وزعم جماعة من النحاة أنها لا تكون للتشبيه إلا إذا كان خبرها اسما جامدا، نحو: كأن زيدا أسد. بخلاف كأن زيدا قائم، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم، فإنها في ذلك كله للظن والشك.
أي بمنزلة ظننت وتوهمت. ومعنى هذا أنه إذا كان خبرها وصفا أو جملة أو شبه جملة فهي فيهن للظن، ولا تكون للتشبيه إلا إذا كان الخبر مما يتمثل به. فإن قلت: كأن زيدا قائم، لا يكون تشبيها لأن الشيء لا يشبه نفسه. ولكن جمهور النحاة على الرأي الأول القائل بأنها للتشبيه على الإطلاق، وعلى هذا يقولون: إن معنى كأن زيدا قائم،
تشبيه حالته غير قائم بحالته قائما.
٣ - مثل: ومن أدوات التشبيه مثل وما في معنى مثل كلفظة «نحو»، وما يشتق من لفظة مثل وشبه، نحو مماثل ومشابه وما رادفهما. وأما أدوات التشبيه الفعلية فنحو: يشبه ويشابه ويماثل ويضارع ويحاكي ويضاهي.
وقد يذكر فعل ينبئ عن التشبيه كالفعل «علم» في قولك: علمت زيدا أسدا ونحوه، هذا إذا قرب التشبيه بمعنى أن يكون وجه الشبه قريب الإدراك، فيحقق بأدنى التفات إليه. وذلك لأن العلم معناه التحقق، وذلك مما يناسب الأمور الظاهرة البعيدة عن الخفاء.
أما إن بعد التشبيه أدنى تبعيد قيل: خلته وحسبته ونحوهما لبعد الوجه عن التحقق، وخفائه عن الإدراك العلمي، وذلك لأن الحسبان
[ ٧٩ ]
ليس فيه الرجحان، ومن شأن البعيد عن الإدراك أن يكون إدراكه كذلك دون التحقق المشعر بالظهور وقرب الإدراك.