والمبرد من أوائل العلماء الذين درسوا فن التشبيه، وهو يقسمه إلى أربعة أضرب:
١ - التشبيه المفرط: وهو التشبيه المبالغ فيه، أو المبالغ في الصفة التي تجمع بين المشبه والمشبه به، كقول الخنساء في أخيها صخر:
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كأنه نار في رأس علم، والعلم الجبل.
ومن هذا النوع في شعر المحدثين قول بشار:
كأن فؤاده كرة تنزّي حذار البين إن نفع الحذار
وقول أبي نواس الحسن بن هانئ في صفة الخمر:
[ ٧٤ ]
فإذا ما اجتليتها فهباء تمنع الكفّ ما تبيح العيونا (١)
أكل الدهر ما تجسّم منها وتبقّى لبابها المكنونا
فهي بكر كأنها كل شيء يتمنى مخيّر أن يكونا
في كؤوس كأنهن نجوم جاريات بروجها أيدينا
طالعات من السّقاة علينا فإذا ما غربن يغربن فينا
فهذا تشبيه مفرط يصفه المبرد بأنه غاية على سخف كلام المحدثين!.
٢ - التشبيه المصيب: ويفهم من الأمثلة التي أوردها المبرد أنه يعني به ما خلا من المبالغة وأخرج الأغمض إلى الأوضح، كقول امرئ القيس في طول الليل:
كأن الثريا علّقت في مصامها بأمراس كتان إلى صمّ جندل (٢)
فهذا التشبيه في ثبات الليل، لأنه يخيل إليه من طوله كأن نجومه مشدودة بحبال من الكتان إلى صخور صلبة، وإنما استطال الليل لمعاناته الهموم ومقاساته الأحزان فيه. وكقوله في ثبات الليل:
فيا لك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل (٣)
_________________
(١) الهباء: الذرات المنبثة التي ترى في ضوء الشمس، وتجسم: صار جسما، أي لم يبق من الخمر إلا روحها، لأن الخمر إذا عتقت صفت ورقت وكاد يخفى جسمها.
(٢) الثريا: من الكواكب، وسميت بذلك لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها، في مصامها: في مكانها الذي لا تبرح منه كمصام الفرس، وهو مربطه، والأمراس: جمع مرس وهو الحبل، وصم: جمع أصم، وهو الصلب، والجندل: الصخرة، والجمع جنادل.
(٣) مغار الفتل: شديد الفتل، ويذبل: اسم جبل.
[ ٧٥ ]
فهو هنا يشبه نجوم الليل في ثباتها وعدم تحركها كما لو كانت قد شدت بشيء مفتول قوي إلى جانب هذا الجبل.
وقد ذكر ابن رشيق أمثلة للتشبيه المصيب منها قول النابغة في وصف المتجردة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر السقيم إلى وجوه العوّد
وقول عدي بن الرقاع العاملي:
وكأنها وسط النساء أعارها عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنّقت في عينه سنة وليس بنائم
وقول صريع الغواني:
فغطت بأيديها ثمار نحورها كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع (١)
٣ - التشبيه المقارب: كقول ذي الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته وقد جللته المظلمات الحنادس
وهذا من نوع التشبيه المقلوب الذي يجعل فيه المشبه مشبها به فالعادة أن أعجاز النساء أو أوراك العذارى تشبه بكثبان الرمال ولكن الشاعر هنا قلب التشبيه طلبا للمبالغة.
ومن المقارب الحسن قول الشماخ:
كأن المتن والشرخين منه خلاف النصل سيط به مشيج
_________________
(١) كتاب العمدة ج ١ ص ٢٧٠، والجوامع: الأكبال.
[ ٧٦ ]
يريد سهما رمى به فأنفذ الرميّة وقد اتصل به دمها، والمتن متن السهم، وشرخ كل شيء حده، فأراد شرخي الفوق (١) وهما حرفاه، والمشيج المختلط.
٤ - التشبيه البعيد: وهو الذي يحتاج إلى تفسير، وعند المبرد أن هذا النوع هو أخشن الكلام، كقول الشاعر:
بل لو رأتني أخت جيراننا إذ أنا في الدار كأني حمار
فإن الشاعر أراد الصحة، وهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله ﷿- وهو من البين الواضح-: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا في أنهم قد تعاموا عن التوراة وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها.
ويلاحظ على هذا التقسيم الذي أورده المبرد للتشبيه أمور منها: أن هذه الأنواع الأربعة هي صفات لبعض التشبيهات، وأنه لم يضع حدودا تميز كل نوع عما عداه. وترك هذا لحدس القارئ وتخمينه، وأنه قد حكم على بعض الأمثلة التي أوردها بالحسن أو القبح دون أن يعلل لما استحسنه أو استقبحه. ولكنه في عصره المبكر وفي المراحل الأولى للبلاغة والنقد لم يكن ينتظر منه أن يتوسع في دراسة التشبيه بأكثر مما فعل.