وهو ما كان وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد أمرين أو أمور.
هذا هو مذهب جمهور البلاغيين في تعريفه، ولا يشترطون فيه غير تركيب الصورة، سواء أكانت العناصر التي تتألف منها صورته أو تركيبه حسية أو معنوية. وكلما كانت عناصر الصورة أو المركب أكثر كان التشبيه أبعد وأبلغ.
ومن أمثلته قول شاعر يمدح فارسا:
وتراه في ظلم الوغى فتخاله قمرا يكرّ على الرجال بكوكب
فالمشبه هنا هو صورة الممدوح الفارس وبيده سيف لا مع يشق به ظلام غبار الحرب، والمشبه به صورة قمر يشق ظلمة الفضاء ويتصل به كوكب مضيء، ووجه الشبه هو الصورة المركبة من ظهور شيء مضيء يلوح بشيء متلألئ في وسط الظلام.
ومنه قول ابن المعتز يصف السماء بعد تقشع سحابة:
كأن سماءنا لما تجلّت خلال نجومها عند الصباح
[ ٨٦ ]
رياض بنفسج خضل نداه تفتّح بينه نور الأقاح (١)
فالمشبه صورة السماء والنجوم منثورة فيها وقت الصباح والمشبه به صورة رياض من أزهار البنفسج تخللتها أزهار الأقاحي، ووجه الشبه هو الصورة الحاصلة من شيء أزرق انتشرت في أثنائه صور صغيرة بيضاء.
ومنه قول أبي تمام في مغنية تغني بالفارسية:
ولم أفهم معانيها ولكن ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فبتّ كأنني أعمى معنّى بحبّ الغانيات وما يراها (٢)
فالمشبه هنا حال الشاعر يثير نغم المغنية بالفارسية في نفسه كوامن الشوق وهو لا يفهم لغتها، والمشبه به حال الأعمى يعشق الغانيات وهو لا يرى شيئا من حسنهن، ووجه الشبه هو صورة قلب يتأثر وينفعل بأشياء لا يدركها كل الإدراك.
ومنه قول شاعر في صديق عاق:
إني وإياك كالصادي رأى نهلا ودونه هوّة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماء عزّ مورده وليس يملك دون الماء منصرفا
فالمشبه حال الشاعر مع صديقه العاق يدعوه الوفاء إلى الإبقاء على مودته، ويدعوه ما يراه فيه من العقوق إلى قطعه، وهو بين الأمرين حائر، ولكنه يصغي أخيرا إلى داعي الوفاء، والمشبه به حال عطشان رأى ماء
_________________
(١) الخضل: الرطب، والمعنى: بعد أن انقشعت السحابة صارت السماء بين النجوم المنتشرة وقت الفجر كرياض من البنفسج المبتل بالماء تفتحت في أثنائه أزهار الأقاحي.
(٢) ورت كبدي: ألهبته، والشجا: الحزن والطرب، والمعنى: لم أجهل ما بعثته في نفسي من الحزن، والمعنى: المتعب الحزين.
[ ٨٧ ]
تحول بينه وبين الشرب منه هوّة يخشى منها الهلاك على نفسه لو دنا منه، فوقف حائرا ولكنه لا يستطيع الانصراف عن الماء، ووجه الشبه هو صورة من يريد شيئا فتحول العقبات دونه فتدركه الحيرة ولكنه لا ييئس.
ومنه قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
فالمشبه حال من ينفق قليلا في سبيل الله ثم يلقى عليه جزاء جزيلا، والمشبه به حال من بذر حبة فأنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة، ووجه الشبه هو صورة من يعمل قليلا فيجني من ثمار عمله كثيرا.
أما وجه الشبه عند ما يكون غير تمثيل فهو عكس ذلك، أي عند ما لا يكون صورة منتزعة من متعدد، وبعبارة أخرى هو ما يكون غير مركب أي مفردا، وكونه مفردا لا يمنع من تعدد الصفات المشتركة بين طرفي التشبيه.
ومن أمثلة التشبيه عند ما يكون وجه الشبه فيه غير تمثيل قول البحتري:
هو بحر السماح والجود فازدد منه قربا تزدد من الفقر بعدا
فالمشبه هنا هو الممدوح والمشبه به هو البحر، ووجه الشبه الذي يشترك فيه الممدوح والبحر هو صفة الجود.
وقول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
[ ٨٨ ]
فالمشبه في هذا البيت هو الليل في ظلامه وهوله، والمشبه به هو موج البحر، وأن هذا الليل أرخى عليه حجبه وسدوله مصحوبة بكل أنواع الهموم والأحزان ليختبر صبره وقوة احتماله، ووجه الشبه الذي يشترك فيه الليل وموج البحر صفتان هما: الظلمة والروعة.
وقول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسنا وضياء ومنالا
وشبيه الغصن لينا وقواما واعتدالا
أنت مثل الورد لونا ونسيما وملالا
زارنا حتى إذا ما سرّنا بالقرب زالا
فالمشبه في هذا المثال هو الحبيب، والمشبه به هو البدر مرة، والغصن مرة ثانية، والورد مرة ثالثة، ووجه الشبه الذي يشترك فيه الطرفان صفات متعددة لا يرتبط بعضها ببعض، وكل صفة منها يمكن الاكتفاء بها كوجه شبه، بمعنى أنه لو حذف بعضها دون بعض أو قدّم بعضها على بعض ما اختل التشبيه.
ولعلنا الآن أدركنا من هذه الأمثلة أن تشبيه غير التمثيل هو ما كان وجه الشبه فيه غير صورة أي غير مركب. وبعبارة أخرى هو ما كان مفردا مهما تعددت الصفات التي يشترك فيها الطرفان، وأن هذه الصفات المشتركة إن وجدت لا يشترط فيها نظام أو ترتيب معين، بمعنى أنه يجوز فيها التقديم والتأخير، كما يجوز الإبقاء عليها أو على بعضها كوجه شبه من غير إخلال بالتشبيه.