وهو تقليل الألفاظ وتكثير المعاني. وقيل: هو تضمين العبارات القصيرة معاني كثيرة من غير حذف. وقيل أيضا: هو الذي لا يمكن التعبير عن معانيه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدّتها.
وهذا النوع، كما يقول ابن الأثير، هو أعلى طبقات الإيجاز مكانا وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذا نادرا.
ومما ورد من إيجاز القصر في القرآن الكريم قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ، فإن قوله تعالى: الْقِصاصِ حَياةٌ لا يمكن التعبير عنه بألفاظ كثيرة، لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.
ويتبين فضل هذا الكلا إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل». فقد يخيل لمن لا يعلم أن هذا القول على وزن الآية الكريمة، وليس الأمر كذلك، بل بينهما فروق من ثلاثة أوجه: أحدها
_________________
(١) المثل السائر ص ١٩٤ - ٢١٧.
[ ١٧٦ ]
أن «القصاص حياة» لفظتان، «والقتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ، والوجه الثاني أن في قولهم «القتل أنفى للقتل» تكريرا ليس في الآية، والوجه الثالث أنه ليس كل قتل نافيا للقتل إلا إذا كان القتل على حكم القصاص.
ومن أمثلة إيجاز القصر في القرآن الكريم أيضا، قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. روي أن ابن عمر قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه.
وقوله تعالى: وَالْفُلْكِ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ جمع أنواع التجارات، وصنوف المرافق التي لا يبلغها العد
والإحصاء.
وقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأن في العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات والتبرؤ من كل قبيح، لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر.
وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يفسد الدين.
وقوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فهذه الآية الكريمة تتضمن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة.
وقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، فدل بشيئين «الماء والمرعى» على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب والشجر والحطب واللباس والنار والملح والماء، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. والشاهد على أنه أراد ذلك كله قوله تعالى: مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ*.
ومما ورد من إيجاز القصر في أحاديث الرسول قوله ﵌: «كفى بالسلامة داء»، وقوله: «إنكم لتكثرون عند الطمع، وتقلون عند الفزع»،
[ ١٧٧ ]
وقوله: «حبك الشيء يعمي ويصم»، وقوله: «إن من البيان لسحرا»، وقوله: «ترك الشر صدقة»، وقوله: «نية المؤمن خير من عمله»، وقوله:
«إذا أعطاك الله خيرا فليبن عليك، وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلم على الكفاف، ولا تعجز عن نفسك».
فقوله: «فليبن عليك» أي فليظهر أثره عليك بالصدقة والمعروف ودل على ذلك بقوله: «وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل» أي اكسر من مالك وأعط، وقوله: «ولا تعجز عن نفسك» أي لا تجمع لغيرك وتبخل عن نفسك فلا تقدم خيرا.
ومنه في كلام العرب قول أعرابي: «أولئك قوم جعلوا أموالهم مناديل لأعراضهم، فالخير بهم زائد والمعروف لهم شاهد» أي يقون أعراضهم ويحمونها بأموالهم.
وقول آخر: «أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك، واستحي من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك».
وقيل لأعرابي يسوق مالا كثيرا: لمن هذا المال؟ فقال: لله في يدي.
فمعاني هذا الكلام- على حد قول أبي هلال العسكري- أكثر من ألفاظه، وإذا أردت أن تعرف صحة ذلك فحلّها وابنها بناء آخر، فإنك تجدها تجيء في أضعاف هذه الألفاظ.