عرفنا من أدوات الاستفهام حتى الآن: الهمزة وهل، ولكن للاستفهام أدوات أخرى غير هاتين الأداتين، وهي: من وما ومتى وأيان وكيف وأين وأنى وكم وأيّ.
وهذه الأدوات يطلب بها التصور فقط، ولذلك يكون الجواب معها بتعيين المسؤول عنه.
وطبيعي أن المطلوب تعيينه أو تصوره بكل منها يخالف المطلوب تعيينه وتصوره بأداة أخرى، ولذلك يقتضي الأمر التعرّف على حقيقة المسؤول عنه والمطلوب تعيينه وتصوره بكل أداة من هذه الأدوات. وفيما يلي بيان ذلك:
١ - من: ويطلب بها تعيين العقلاء.
وتعيين العاقل يحصل بالعلم (١)، أي بذكر اسم المسؤول عنه، كقولنا
_________________
(١) العلم بفتح العين واللام.
[ ٩٣ ]
في جواب: من هذا؟ هذا محمد أو عليّ مثلا، كما يحصل بالصفة، أي بذكر صفة من صفات المسؤول عنه، كقولنا في جواب السؤال السابق: من هذا؟
هذا معلم أو طبيب أو صديق مثلا.
٢ - ما: ويطلب بها شرح الاسم أو ماهية المسمى.
فشرح الاسم يراد به بيان مدلوله لغة، أي بيان المعنى الذي وضع له في اللغة، نحو: ما الكبرياء؟ فيكون الجواب: إنها العظمة والملك والتجبر.
وما التواضع؟ فيكون الجواب: إنه التذلل والخشوع.
أما ماهيّة المسمى فهي حقيقته التي هو بها هو، ويراد بها الحقيقة الوجودية التي تتحقق بها أفراد الشيء بحيث لا يزاد في الخارج عليها إلا العوارض كأن يقال: ما الإنسان؟ فيكون الجواب إنه الحيوان الناطق.
فأفراد الإنسان لا تزيد عن هذه الحقيقة إلا بالعوارض أي الصفات التي تميز فردا من الإنسان على الآخر. وكأن
يقال: ما الحركة؟ أي ما حقيقة مسمى هذا اللفظ فيجاب بإيراد ذاتياته.
قال السكاكي: «يسأل بما عن الجنس»، تقول: ما عندك؟ بمعنى أي أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه: كتاب ونحوه. كذلك يسأل بما عن الوصف، تقول: ما زيد؟ أي ما صفة زيد؟ وجوابه: الكريم؟ ونحوه.
ويدخل عنده في السؤال بما عن الجنس، السؤال عن الماهية أي الحقية، نحو: ما الكلمة؟ بمعنى أي أجناس الألفاظ هي، وجوابه: إنها لفظ مفرد موضوع.
٣ - متى: ويطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان أو مستقبلا. فتقول:
متى جئت؟ والجواب: صباحا أو مساء مثلا. وتقول: متى تأتي؟ ويكون الجواب: آتي بعد شهر مثلا.
٤ - أيان: ويطلب بها تعيين الزمان المستقبل خاصة، وأكثر ما تكون في مواضع التفخيم، أي في المواضع التي يقصد فيها تعظيم المسؤول عنه
[ ٩٤ ]
والتهويل بشأنه، نحو قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟ ويَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟،* ويَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ؟.
٥ - كيف: ويطلب بها تعيين الحال، فإذا قيل: كيف أحمد؟ فجوابه:
هو صحيح أو سقيم أو شج (١) أو جذلان وما أشبه ذلك.
٦ - أين: ويطلب بها تعيين المكان، فإذا قيل: أين الطبيب؟
فجوابه: هو في المستشفى أو في عيادته مثلا.
٧ - أنّى: وتأتي لمعان عدّة، وتفصيل ذلك أنها تستعمل تارة بمعنى «كيف» نحو: أنى يتوقع المرء النجاح في عمله وهو لا يعمل له؟ وتارة تستعمل بمعنى «من أين» نحو: أنى لك هذا؟ وتارة تستعمل بمعنى «متى» نحو: أنى جئت؟ أو أنى تجيء؟
٨ - كم: ويطلب بها تعيين العدد، نحو قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ؟ وقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟.
٩ - أيّ: ويطلب بها تعيين أحد المتشاركين في أمر يعمهما، نحو قوله تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا؟ أي أنحن أم أصحاب محمد؟.
وعلى هذا يسأل «بأيّ» عن العاقل وغير العاقل، وعن الزمان والمكان والحال والعدد- على حسب ما تضاف إليه. فإن أضيفت إلى زمان أو مكان أو عدد مثلا أعطيت حكم متى أو أين أو كم على التوالي، وهكذا