في البحث السابق عرضنا للخبر فاستوفينا القول عنه من حيث مفهومه، وأضربه، وأغراضه الأصلية، ومؤكداته، وأغراضه الأخرى التي يحتملها لفظه. والآن ننتقل إلى قسيم الخبر، أو إلى القسم الثاني من الكلام، وهو «الإنشاء» فنفصل القول فيه.
وإذا كان الإنشاء قسيم الخبر، وكان الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب، فإن الإنشاء إذن هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، وذلك لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يطابقه أو لا يطابقه.
فالمعري مثلا عند ما يقول:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكم أن تلتقوا
قد استعمل أحد أساليب الإنشاء وهو أسلوب النهي في قوله: «لا تظلموا الموتى». ونحن لا يمكننا هنا أن نقول إن المعري صادق أو كاذب في
[ ٦٩ ]
نهيه عن ظلم الموتى، وذلك لأنه لا يعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله، وليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يمكن أن يقارن به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب.
ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب الإنشاء من أمر واستفهام وتمن ونداء، فليس لمدلول أي لفظ منها قبل النطق به وجود خارجي يعرض عليه مدلوله ويقارن به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب.
وعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه، وإلا فإن كل أسلوب إنشائي يستلزم خبرا يحتمل الصدق والكذب.
فقول القائل: «اجتهد» يستلزم خبرا هو «أنا طالب منك الاجتهاد»، وقوله: «لا تكسل» يستلزم خبرا هو: «أنا طالب منك عدم الكسل» وهكذا
فالخبر الذي يستلزمه الأسلوب الإنشائي ليس مقصودا ولا منظورا إليه، وإنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الأسلوب الإنشائي، وبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء الصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء.