وهذا النوع من الإطناب يظهر المعنى في صورتين مختلفتين: إحداهما مجملة مبهمة والأخرى مفصلة موضحة. وهذا من شأنه أن يزيد المعنى تمكنا من النفس. فإن المعنى إذا ألقي على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل
_________________
(١) يرجع في كل ما قيل عن الإطناب عند ابن الأثير إلى كتابه المثل السائر ص ٢١٧ - ٢١٨.
(٢) التلخيص ص ٢١٠.
(٣) الإيضاح للقزويني ص ١٢٨.
[ ١٨٨ ]
والإيضاح فتتوجه إلى ما يرد بعد ذلك. فإذا ألقي كذلك تمكن فيها فضل تمكن، وكان شعورها به أتم ولذتها بالعلم به أكمل.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ، فإن قوله تعالى: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ
مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ «الأمر»، وذلك لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع بذكره مرتين: مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح.
ومن هذا النوع من الإطناب أيضا قوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى؟، فقوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ كلام مجمل مبهم فصله ووضحه الكلام الذي جاء بعده.
ومنه كذلك قوله تعالى: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ فإن ذكر الأنعام والبنين توضيح لما أبهم قبل ذلك في قوله: بِما تَعْلَمُونَ.
ومن الإيضاح بعد الإبهام التوشيع- وهو أن يؤتى في عجز الكلام غالبا بمثنى مفسر باسمين أحدهما معطوف على الآخر، وذلك كقول الرسول: «يشيب ابن آدم وتشيب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل».
ومنه شعرا قول البحتري:
لما مشين بذي الارك تشابهت أعطاف قضبان به وقدود
في حلتي حبر وروض فالتقى وشيان: وشي ربى ووشي برود
وسفرن فامتلأت عيون راقها وردان: ورد جنى وورد خدود
ومتى يساعدنا الوصال ويومنا يومان: يوم نوى ويوم صدود؟ (١)
_________________
(١) ديوان البحتري ص ٨، والحبر بكسر الحاء وفتح الباء: جمع الحبرة بفتح الحاء والباء ضرب من الثياب اليمانية المنمرة، والوشي: النقش، والبرود بضم الباء: جمع برد بضم وسكون، وهو الثوب الموشى، والجنى: ما يجنى من الشجر ما دام غضا طريا.
[ ١٨٩ ]
وقد يأتي التوشيع في وسط الكلام كقول شوقي:
ودخلت في ليلين: فرعك والدجى ولثمت كالصبح المنور فاك
وقد يأتي التوشيع جمعا لا مثنى وفي ابتداء الكلام كقول محمد ابن وهب:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر