والإطناب بالاحتراس يكون حينما يأتي المتكلم بمعنى يمكن أن يدخل عليه فيه لوم، فيفطن لذلك ويأتي بما يخلصه منه.
والاحتراس الذي يؤتى به في الكلام لتخليصه مما يوهم خلاف المقصود قد يكون في وسط الكلام كقول طرفة بن العبد:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي
فقوله: «غير مفسدها» احتراس وتحرز من المقابل وهو محو معالمها.
وقول ابن المعتز في وصف فرس:
صببنا عليها- ظالمين- سياطنا فطارت بها أيد سراع وأرجل
فالاحتراس هو كلمة «ظالمين» فلو حذفت لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب. وهذا خلاف ما يقصده الشاعر.
وقول نافع الغنوي:
رجال إذا لم يقبل الحق منهمو ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب
فقوله: «ويعطوه» احتراس لولاه لفهم أن هؤلاء الرجال يلجئون إلى سيوفهم لمجرد عدم قبول الحق منهم، على حين أن المعنى بالاحتراس يفيد أنهم لا يفزعون إلى سيوفهم إلا في حالة عدم قبول الحق منهم وامتناع العدو عن إعطائهم إياه. والفرق كبير بين المعنيين.
وقول صفي الدين الحلي:
فوفّني غير مأمور وعودك لي فليس رؤياك أضغاثا من الحلم
فالاحتراس في «غير مأمور» فإن لفظة «وفني» في البيت فعل أمر،
[ ١٩٣ ]
ومرتبة الآمر فوق مرتبة المأمور فاحترس بقوله: «غير مأمور».
وقد يكون الاحتراس في آخر الكلام نحو قوله تعالى: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، فإن المعنى
بدون قوله تعالى: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ موهم أن يكون ذلك البياض لمرض كالبرص أو سوء أصاب اليد، ولهذا أتى بقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ لدفع هذا الإيهام.
ونحو قول الشاعر:
وما بي إلى ماء سوى النيل غلّة ولو أنه- أستغفر الله- زمزم
فالشاعر أتى بجملة «أستغفر الله» - للاحتراس، لأنه أراد أن يقول:
«ولو أنه زمزم»، ففطن لما قد يتوهمه السامع فيه من الاستخفاف بأمر زمزم وهو الماء المبارك المقدس، فسارع إلى دفع هذا الوهم وقال: «أستغفر الله».
فهذه الزيادات التي وردت في الأمثلة السابقة سواء كانت في وسط الكلام أو آخره هي إطناب بالاحتراس، وكذلك كل زيادة تجيء لدفع ما يوهمه الكلام مما ليس مقصودا.