وهو عدّ الشيء بعيدا حسّا أو معنى، وقد يكون منكرا مكروها غير منتظر أصلا، وربما يصلح المحل الواحد له وللاستبطاء.
وعلى هذا قد يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي للدلالة على استبعاد السائل للمسؤول عنه، سواء أكان البعد حسيّا مكانيا، نحو قول شوقي وهو منفيّ في الأندلس: «أين شرق الأرض من أندلس؟» أو بعدا معنويا كمن يقول لمن هو أعلى منه منزلة: «أين أنا منك؟».
ومن أمثلته قوله تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ؟ أي كيف يذكرون ويتعظون والحال أنهم جاءهم رسول يعلمون أمانته بالآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره فتولوا عنه وأعرضوا؟ فكل هذه قرائن لاستبعاد تذكرهم.
ومن أمثلته شعرا قول جرير في رثاء ابنه سوادة:
قالوا: نصيبك من أجر فقلت لهم: كيف العزاء إذا فارقت أشبالي (١)؟
وقول أبي تمام:
_________________
(١) نصيبك بالنصب لا غير، لأنه مفعول لفعل محذوف تقديره: احفظ أو أحرز نصيبك.
[ ١٠١ ]
من لي بإنسان إذا أغضبته وجهلت كان الحلم ردّ جوابه؟
وقول أبي الطيب:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
وقول آخر:
من لي برد الدمع قسرا، والهوى يغدو عليه مشمرا في نصره؟
وقول شاعر معاصر:
هذا الفؤاد فنقّب في جوانحه أكنت تلقى به ظلا لإنسان؟