قال أبو النّجم العجليّ (١) (الرّجز)
الحمد لله العليّ الأجلل الواهب الفضل الكريم المجزل
وقال المتنبي (٢) (الطويل):
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
توافرت لأبي النجم والمتنبي شروط الإدغام ولكن الضرورة ألجأتهما إلى فكّه في كلّ من (الأجلل- الأجلّ) و(حالل- حالّ) و(يحلل- يحلّ) وفي هذه الضرورة مخالفة للقياس الصرّفي.
ومن مخالفة القياس الصرفي ما نجده من أخطاء شائعة على ألسنة الناس وفي كتابات بعض المحدثين كأن يقولوا: السيارة المباعة، ونضوج الفاكهة يزيدها حلاوة، وهذه عصاتي وغير ذلك. والقياس الصرفي يقضي بقول: السيارة المبيعة، ونضج الفاكهة ونضجها، وهذه عصاي. فالكاتب المبدع، والشاعر المفلق، يتحرى صحة الألفاظ وجريانها على قواعد الصرف والنحو، ويبتعد عن الألفاظ العامية المبتذلة.
ولقد خالف بعض النقاد القدامى هذا المبدأ، فابن الأثير ينبّه إلى أنه (٣) «ينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة» وفي هذا الحكم ضرب من المغالاة- في رأينا- لأن الفصاحة وضوح وتبيين ورفع المفعول ونصب الفاعل لا يوضحان المعنى،
_________________
(١) . خزانة الأدب، البغدادي ٢/ ٣٩٠.
(٢) . ديوان المتنبي، شرح العكبري ٤/ ٨٥.
(٣) . المثل السائر، ابن الأثير، تحق أحمد الحوفي وبدوي طبانة ج ١ / ص ٤٢٥.
[ ٣٠ ]
علاوة على أن الأدب آلته اللغة فإذا كانت اللغة ركيكة ذهب رونق الأدب.
وذهب ابن خلدون إلى موقف شبيه بموقف ابن الأثير عندما رأى (١) «أن الإعراب لا دخل له في البلاغة، فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة. فإذا عرف اصطلاح في ملكة، واشتهر، صحّت الدلالة. وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة ولا عبرة بقوانين النحاة».
إن الاستخفاف بقوانين النحاة، لا يخدم الإبداع بل يعارضه.
والقدامى اشترطوا صحّة القياس ليبقى التواصل ولتتأصل الملكة ولأنهم أدركوا أن فشوّ اللحن قد عطّل آلة البلاغة كما عطّل حسن السليقة وتمكّن الملكة.
ونهض من بين المحدثين من يؤكد (٢) «أهمية اتباع نظام موحد في التعامل مع اللغة حفاظا على سلامة النظام اللغوي في أبنيته ومفرداته، لكن لا ينبغي- في الوقت نفسه- التعويل دائما على القياس والخضوع المطلق لكل ما يفرضه» وردّنا على هذا لا يختلف كثيرا عن رأينا في ما تقدم من كلام على رأيي ابن الأثير وابن خلدون.