استعان العسكري بالدلالة اللغوية لفهم مصطلح البلاغة عند ما ذكر سبب التسمية قائلا: «سميّت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه» (٢) ورأى أنها (٣) «من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم وتسميتنا المتكلّم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أن كلامه بليغ».
وبعد توضيح الفصاحة معجميا ذهب إلى أن (٤) «الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له» ويستهل الفصل الثاني من الصناعتين بتعريف واف للبلاغة جاء فيه «البلاغة كل ما تبلّغ به المعنى قلب السامع، فتمكّنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن».
_________________
(١) . الرّماني، النكت في اعجاز القرآن (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحق: محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول عبد السلام، دار المعارف ط/ ٣ ص ٧٥ - ٧٦).
(٢) . العسكري، كتاب الصناعتين، تحق البجّاوي- ابراهيم، ص ١٢.
(٣) . م. ن. ص ١٢.
(٤) . م. ن. ص ١٣.
[ ١١ ]
وقد وجدنا في شرح هذا التعريف ما يمكن عدّه ردّا على تعريف ابن المقفّع. قال العسكري (١) «ومن قال: إن البلاغة إنما هي إفهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة سواء».
وإذا كان العسكري قد وقف الفصل الثاني لتعريفه الشخصي للبلاغة، فإنه قد جعل الفصل الثالث لتفسير ما جاء عن الحكماء والعلماء في حدود البلاغة. ثم وضع شروط اجتماع آلة البلاغة، وهي في ظنّه (٢) «جودة القريحة وطلاقة اللسان» ومن تمام آلات البلاغة ما يأتي (٣):
«التوسّع في معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيّرها، ورديئها، ومعرفة المقامات، وما يصلح في كل واحد منها من الكلام» وقد شرح هذا القول بإسهاب فيما بعده من كلام متوقّفا عند الجزئيّات ليبسط فيها القول.