عقد الجرجاني في دلائل الإعجاز فصلا بعنوان (٤): «في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة، والبيان والبراعة، وكل ما شاكل ذلك» مبيّنا فيه أن «لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها ممّا يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزيّة إليه دون المعنى غير وصف الكلام بحسن الدّلالة، وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرّجها في صورة هي أبهى وأزين، وآنق وأعجب، وأحقّ بأن تستولي على هوى النفس، وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق
_________________
(١) . م. س. ص ١٦.
(٢) . م. س. ص ٢٦.
(٣) . م. س. ص ٢٧.
(٤) . الجرجاني، دلائل الإعجاز، دار المعرفة، ص ٣٥.
[ ١٢ ]
لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد، ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصحّ
لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه، وأتمّ له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزية».
لقد قلنا مفهوم الجرجاني ولم نقل حدّه لأنه أعطى صفات مشتركة لكل من البلاغة والفصاحة والبراعة والبيان أوّلا، ولأنه لم يحدّد البلاغة تحديدا وافيا ثانيا. فالكلام يجب أن يكون شديد الدلالة على المعنى، ثم إنه من المستحسن أن يرصف في جملة أنيقة متبرّجة لتأتي فائقة الأناقة تبلغ الأسماع فتطربها بجرسها، وتأسرها بجمال وسحر ألفاظها. ولتأتي العبارة بهذه الصفات على صاحبها أن يتخيّر اللفظ الذي يؤدي المعنى ولا يقصّر عنه لأن الكلام الذي تقصّر فيه الألفاظ عن تأدية المعاني كاملة وبدقة متناهية ليس كلاما بليغا.