رسّخ عبد القاهر نظرية النظم ووطّد دعائمها بعد أن كانت شتاتا مبعثرا في كتب سابقيه. وقدّم من الحجج والأدلة ما يدحض تفاضل الكلمات المفردات لأن (٢) «الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلّق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في
موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر».
ألا تكفي حججه هذه للدلالة على أن النظم أساس التفاضل؟
ونفى عبد القاهر أن يكون الإيقاع الموسيقي دليلا على إعجاز القرآن لأنه قد يقع في حماقات مسيلمة الكذّاب. كما أنه رأى أن الفواصل (السجع) لا تنهض دليلا على الإعجاز. والإعجاز في نظره لا يقع في استعارة أو كناية أو تمثيل.
وقد ذهب إلى نفي كل هذه الاحتمالات ليبقي على جوهر الإعجاز في نظره وهو النظم. والنظم قاده إلى الكلام على أبواب البلاغة من مثل: التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والتعريف والتنكير، والاستعارة، والكناية، والتصريح، والإيجاز، والسجع
_________________
(١) . م. ن. ج ١٦ ص ٤٠١.
(٢) . الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص ٣٨.
[ ٢١ ]
والتجنيس، والإسناد وتحقيق معنى الخبر، وغيرها من موضوعات البلاغة.
ذكرنا أسماء هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر لأنّ المصنّفين ذكروا أيضا في هذا الباب كلا من كتاب: الجمان في تشبيهات القرآن لابن ناقيا البغدادي (ت ٤٨٥ هـ)، والكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، وبديع القرآن لابن أبي الأصبع المصري (ت ٦٥٤ هـ)، والطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز للعلوي (ت ٧٥٩ هـ) ومعترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي (ت ٩١١ هـ).
وهكذا يمكننا القول: إن القرآن الكريم كان الباعث على تصنيف هذا الكم الهائل من الكتب البلاغية المرتبطة بفهم وتفسير القرآن معنى ومبنى. ولقد جعل أبو هلال العسكري تعلّم البلاغة فرضا على من يريد التعرف إلى بلاغة القرآن وإعجازه عند ما قال (١): «إنّ أحقّ العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى».
ألا يكون كلام العسكري هذا تفسيرا لوفرة المصنفات البلاغية التي تناولت إعجاز القرآن، وكانت ثمرة أسئلة بحثوا عن أجوبة لها فيما قدموه من جهود، وما بذلوه من آراء؟