عرف الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة صراعا بين تيارين شعريين هما: تيار المحافظين، وتيار المجددين. وتكلم النقاد
_________________
(١) . العسكري، أبو هلال، كتاب الصناعتين، ص ٧.
[ ٢٢ ]
على موجة الصراع بين أنصار المحافظة والتقليد من جهة، وأنصار التجديد من جهة ثانية. هذه الحقبة عرفت على صعيد الشعر مصطلحا جديدا هو: الخصومة بين القدامى والمحدثين.
هذه الخصومة وجهت الدارسين شطر دواوين الشعراء لدراسة ما فيها من بيان ساطع وقدرة على التخييل تسعف على ابتكار تشابيه جديدة وتفنّن في ضروب الاستعارة والمجاز، وراحوا يتقصون ما في دواوين هؤلاء من طباق وجناس وترصيع باحثين عن عناصر الصورة الشعرية واللغة الشعرية المميزة.
وما دمنا بصدد الخصومة بين القدامى والمحدثين، فإننا نجد أنفسنا مجبرين على الإشارة- ولو بسرعة- إلى عدد من المصنفات التي أفرزتها تلك الخصومة. فمن أبرز هذه المصنفات:
١. الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٦٦ هـ).
٢. الموازنة بين أبي تمام والبحتري لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت ٣٧١ هـ).
هذان المصنفان وازنا بين الشعراء، وذكر صاحباهما بحوثا في البلاغة اقتضاها حسن الشرح والتعليل لبيان ما في وجوه المفاضلة من تميّز هذا الشاعر على ذاك في التخييل، وعناصر الصورة الشعرية.
ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى كتاب سبق عصر الخصومة هذه، هو كتاب البديع لأبي العباس عبد الله بن المعتز (ت ٢٩٩ هـ).
لقد تعقّب ابن المعتز ظاهرة البديع فوجده في شعر السابقين لموجة الحداثة، غير أن المحدثين عرفوا به لأنهم أفرطوا في استخدامه وأسرفوا في تكلّفه. قال ابن المعتز (١) «قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا
_________________
(١) . ابن المعتز، البديع، تحق د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل ص ٧٣ - ٧٤.
[ ٢٣ ]
الذي سمّاه المحدثون البديع، ليعلم أن بشّارا، ومسلما، وأبا نواس، ومن تقيّلهم (حذا حذوهم)، وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمّي بهذا الاسم، ثم إن حبيب بن أوس
الطائي من بعدهم شعف به حتى غلب عليه وتفرع فيه، وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف».
لنا عودة إلى كتاب البديع نفصّل فيها الكلام على أهمية الكتاب وذلك في مقدّمة علم البديع.