مثال ذلك قول المتنبي في فرسه (٢) (الطويل):
وتسعدني في غمرة بعد غمرة سبوح لها منها عليها شواهد
_________________
(١) . ديوان العبّاس بن الأحنف.
(٢) . ديوان المتنبي، شرح العكبري ١/ ٢٧٠.
[ ٣٥ ]
تتابعت في البيت حروف الجر ومجروراتها، وكذلك الضمائر مما أفضى إلى ثقل الكلام على اللسان. وتكرار غمرة أسقط عنها طاقة الإيحاء. قال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة بعنوان (١) (براءة ١٩٥٤):
من طيبتي، من كبريائي
من أصدقائي من كل ما قدّست،
ما آمنت أنّ به بقائي من ذكرياتي
من حاضري، من كل آت
من والدي وسحابة الستّين في عينيه تهمي من إخوتي حتى الصغير،
ومن أخيّاتي وأمّي من كل إنسانيّتي
من كل إيثاري لغيري من كل شعري.
ففي الأسطر الأربعة عشر تكرّر حرف الجر (من) ثلاث عشرة مرة، بحيث تصدّر ثلاثة عشر سطرا. وتكرّرت (كلّ) خمس مرات
_________________
(١) . الأعمال الشعرية، عبد الرزاق عبد الواحد، المجلد الأول ص ١٩٣ - ١٩٤.
[ ٣٦ ]
حتى كان تكرارهما مدروسا فاشتد من خلال التكرار عمق شعورنا بالمأساة، وكانت الكلمة منطلقا ولم تكن مجرد متكأ يتوكأ عليه الشاعر منطلقا إلى موضوعات جديدة. لهذا كان هذا التكرار مدروسا ساعد الشاعر على إفراغ عواطفه وإبراز انفعالاته المتفجرة وكانت المرة الأولى تدفع إلى شيء لاحق وهكذا على التوالي حتى بقيت طاقة الإيحاء فيها مهيمنة، ولم يكن التكرار سبيلا إلى السأم وتهرؤ الصيغ ومعانيها.
ليحافظ الشاعر على ألق العبارة يجب أن يكون التكرار في قصيدته مدروسا يبعد شبح الموت عن المعاني المكررة، ويبعث ألقا في الألفاظ بحيث تحتفظ بقدرتها الإيحائية العاملة على إثارة جديد لاحق لا إماتة معنى يشيع على مساحة القصيدة.