ينقسم التشبيه باعتبار الغرض إلى: حسن وقبيح، أو: مقبول ومردود.
١- فالحسن هو الوافي١ بإفادة الغرض والمطلوب منه، وذلك هو النمط الذي تسمو إليه نفوس البلغاء، كقول امرئ القيس يصف فرسا:
على الذبل جياش كأن اهتزامه إذا جاش فيه حمية على مرجل٢
وقول ابن نباتة في وصف فرس أغر أبلق:
وكأنما لطم الصباح جبينه فاقتص منه فخاض في أحشائه
وقول الآخر:
نشرت إلي غدائرا من شعرها حذر الكواشح والعد والموبق
فكأنني وكأنها وكأنه صبحان باتا تحت ليل مطبق٣
٢- والقبيح هو ما لم يف بالغرض لعدم وجود وجه شبه بين الشبه والمشبه به، أو مع وجوده، لكن على بعد، وما أحق مثل هذا بالاستكراه والذم، وأي شيء أولى بنفور الطبع السليم منه، وذلك كقول أبي نواس يصف الخمر:
وإذا ما الماء واقعها أظهرت شكلا من الغزل
لؤلؤات ينحدرن بها كانحدار الذر من جبل
فهذا تشبيه بعيد ركيك، غث اللفظ بشعه، فهو قد شبه الحبب بنمل صغار ينحدر من جبل، وشبيه به قول الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشت جرب الجمال بها الكحيل المشعل٤
_________________
(١) ١ وذلك بأن يكون المشبه به أعرف بوجه المشبه إذا كان الغرض بيان حال المشبه أو مقدار الحال، أو أتم شيء فيه إذا قصد إلحاق الناقص بالكامل، أو مسلم الحكم معروفا عند المخاطب إذا كان الغرض بيان إمكان الوجود. ٢ الذبل والذبول: الضمور وقلة اللحم، والاهتزام: التكسر، والحمى: حرارة القيظ، والمرجل: القدر. ٣ الكاشح الذي يضمر العداوة، والموبق المهلك. ٤ الكحيل: القطران، تطلى به الإبل، والمشعل: الكثير.
[ ٢٣٨ ]
فقد شبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وذلك من البعد بمكان؛ لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما فيه، فإن لون حديد الدروع أبيض، وإن أراد شيئا آخر فليس بواضح مع ما فيه من السخف، ونحوه قول المتنبي:
وجرى على الورق النجيع القاني فكأنه النارنج في الأغصان١
إذ لا مشاكلة بين لون الدم ولون النارنج.
تذييل:
وفيه أمران:
١- التشبيه، باعتبار المبالغة أقسام ثلاثة:
أ- أعلاها ما حذف فيه الوجه والأداة، نحو: محمد أسد.
ب- المتوسط في المبالغة، وهو ما حذف فيه الوجه، أو الأداة، نحو: علي كالبدر، أو: علي بدر في الحسن والبهاء.
جـ- أدناها ما ذكر فيه الوجه والأداة، نحو: علي كالأسد في الشجاعة.
ذاك أن القوة إما بعموم وجه الشبه ظاهرا٢، أو بحمل المشبه به على المشبه وإيهام أنه هو، فما اشتمل على الوجهين معا فهو في غاية القوة، وهو القسم الأول، وما خلا منهما معا، فلا قوة له، وهو القسم الثالث، وما اشتمل على أحدهما فقط فهو متوسط، وهو القسم الثاني.
٢- اختلف القوم في التشبيه، أيعد من المجاز أم لا؟ فأهل التحقيق قالوا: الطرفين مستعمل في موضوعه.
وذهب ابن الأثير إلى أنه مجاز وحجته أن مضمر الأداة من التشبيه معدود في الاستعارة، فيجب أن يكون مظهرها كذلك، إذ لا فرق بينهما إلا بظهور الأداة وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا في المجاز لم يكن مخرج له عن سننه، كذا في "الطراز" بتصرف.
_________________
(١) ١ النجيع: الدم الطري، يريد أنه جرت دماء القتلى على ورق الشجر. ٢ إنما قلنا ظاهرا؛ لأن الوجه لا بد أن يكون صفة خاصة قصد اشتراك الطرفين فيها كالشجاعة ونحوها، لكن قولك: كالأسد، يفيد أن وجه الشبه عام في أوصاف كثيرة، كالشجاعة والمهابة والقوة وكثرة الجري، إلى غير ذلك من أوصاف الأسد.
[ ٢٣٩ ]
أثر التشبيه في النفس:
قال المبرد في "الكامل" التشبيه جار كثيرا في كلام العرب حتى لو قال قائل هو أكثر كلامهم لم يبعد، قال الله ﷿ وله المثل الأعلى في الزجاجة: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ١.
وقال أبو هلال في "الصناعتين": التشبيه يزيد المعنى وضوحا، ويكسبه تأكيدا، ولهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد عنه.
وسر هذا أن للخيال نصيبا كبيرا فيه، فهو يفتن حتى لا يقف عند غاية، وأنه يعمل عمل السحر في إيضاح المعاني وجلائها، فهو ينتقل بالنفس من الشيء الذي تجهله، إلى شيء قديم الصحبة، طويل المعرفة، وغير خاف ما لهذا من كثير الخطر، وعظيم الأثر.
انظر قوله ﵇ في ذم من يعلم الخير ولا يعمل به: "مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس وهو يحترق".
وإنك لترى فيه تشنيع حال من اتصف به، وكأنك تشاهد النار، وهي تعلق به وتأخذ منه بالنواصي والأقدام.
وتأمل قول أبي العلاء المعري:
إن الشبيبة نار إن أردت بها أمرا فبادره إن الدهر مطفيها
تجده جعل عزيمة الشباب الوثابة المتحفزة للعمل كالنار، يمتد لهيبها، ويشتد أوارها، لكنها لا تلبث حتى تخمد جذوتها، وينطفئ ذلك اللهب المتقد، ومن ثم طلب إلى الشباب البدار إلى نيل المآرب، وعدم التواني في درك المقاصد.
وإلى قول مهيار الديلمي:
وبعض مودات الرجال عقارب لها تحت ظلماء العقوق دبيب
تره صور بعض المودات بصورة عقارب، تسير في الظلماء على غير هدى، وتنفث سمومها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
_________________
(١) ١ سورة النور الآية: ٣٥.
[ ٢٤٠ ]
وكلما كان عمل الخيال أكثر، كانت صورته أعجب، والنفس به أطرب، ولن نجد تلك الروعة وذاك الجمال في تشبيه المحسوسات بعضها ببعض، فتشبيه ابن المعتز للشمس بالدرهم المضروب في قوله:
وكأن الشمس المنيرة دينا ر جلته حدائد الضراب
وللهلال بالزورق من الفضة التي حمولته من عنبر في قوله:
فانظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر
أقل جمالا من ذاك الذي تقدم، وليس له في النفس أريحية، ولا تأخذها منه هزة، والتشبيهات المستعملة، في العلوم والفنون، ما هي إلا وسيلة من وسائل الإيضاح لكشف ما يخفى من الحقائق.
قال صاحب "الصناعتين": والطريق المسلوكة والمنهج القاصد في التمثيل عند القدماء والمحدثين، تشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والحسن بالشمس والقمر، والسهم الماضي بالسيف، والعالي الرتبة بالنجم، والحليم الرزين بالجبل، والقاسي بالحديد والصخر، والبليد بالجماد، واللئيم بالكلب.
وشهر قوة بخصال محمودة، فصاروا فيها أعلاما، فجروا مجرى ما قدمناه كالسموءل١ في الوفاء، وحاتم في السخاء، والأحنف٢ في الحلم، وسحبان في البلاغة، وقس٣ في الخطابة، ولقمان٤ في الحكمة.
وآخرون بأضدادها فشبه بهم في حال الذم، كباقل٥ في العي، وهنقة٦ في الحق، والكسعي٧ في الندم، ومادر٨ في البخل.
يوجد صورة سكانر
_________________
(١) ١ هو ابن حبان اليهودي. ٢ من سادات التابعين. ٣ هو قس بن ساعدة الإيادي خطيب العرب. ٤ هو حكيم اشتهر بأصالة الرأي في القول والعمل. ٥ اشتهر بالعي وعدم الإبانة عن مراده. ٦ هو يزيد بن ثروان من قيس. ٧ هو غامد بن الحرث. ٨ مخارق الهلالي سقى إبله فبقي في الحوض قليل فسلح فيه ومدر الحوض به.
[ ٢٤١ ]