ينقسم الطرفان إلى حسيين وعقليين ومختلفين، وإلى مفردين ومركبين ومختلفين، فالحسيان ما يدركان هما أو مادتهما أي: أجزاؤهما بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وبهذا التفسير دخل في الحسي شيئان:
ما كان للطرفان فيه مشتركين، إما: في صفة مبصرة كتشبيه الحور الحسان بالياقوت والمرجان في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ١.
وقول عنترة يصف غدرانا:
جادت عليها كل عين ثرة فتركن كل قرارة كالدرهم٢
أو في صفة مسموعة كتشبيه الصوت الحسن بالموسيقى، والأسلحة في وقعها بالصواعق، والأصوات غير المفهومة بأصوات الفراريج، في قول عياش بن سلمة يذم بني دالان:
_________________
(١) ١ سورة الرحمن الآية: ٥٨. ٢ الثرة كالثرثارة، النويرة الماء، والقرارة الحفرة، والعين مطر أيام لا تقلع.
[ ٢١٤ ]
كأن بني دالان إذا جاءهم فراريج يلقى بينهن سويق١
أو في صفة مذوقة، كتشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، والبرقوق الكرز، والريق بالخمر، في قول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها إذا طرب الطائر المستحر٢
أو في الصفة المشمومة كتشبيه رائحة الرياحين المجتمعة بالغالية٣ والنكهة بريح العنبر.
أو في الصفة الملموسة، كما يشبه الجسم بالحرير في النعومة، كقول ذي الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
"الخيالي" وهو المعدوم الذي يفرض مجتمعا من أمور عدة، كل منها مدرك بالحس، كقول أبي الغنائم المحصي:
خود كأن بنانها في خضرة النقش المزرد
سمك من البلور في شبك تكون من زبرجد٤
فسمك على هذه الشاكلة، وشبك بهذه الصفة لا يوجدان حتى يدركا بالحس، لكن ما يتألفان منه وهو السمك والبلور وشبك والزبرجد، يدركان بالحس.
والعقليان ما لم يدركا، هما ولا مادتهما بإحدى الحواس، كتشبيههم الضلال عن الحق بالعمى، والعلم بالحياة، وبهذا التفسير دخل في العقلي.
"الوهمي"٥ وهو ما ليس مدركا بإحدى الحواس، لكنه لو أدرك، لكان مدركا بها، كرءوس الشياطين، وأنياب الأغوال، في قوله تعالى:
_________________
(١) ١ الفراريج صغار الدجاج، والسويق: الناعم من دقيق الحنطة والشعير، وشبههم بذلك لدقة أصواتهم وعجلة كلامهم. ٢ الصوب المطر، والخزامى نبت طيب الرائحة، والنشر الريح الطيبة، والمستحر المغرد في السحر. ٣ أخلاط من الطيب. ٤ الخود الشابة الناعمة. ٥ هو ما تخترعه المتخيلة من نفسها، وهي قوة من قوى الإدراك من شأنها اختراع أشياء لا حقيقة لها، كما تصور الغول بصورة السبع وتخترع له أنيابا.
[ ٢١٥ ]
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ١، وقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال
فهاتان لا تدركان بالحس، لعدم وجودهما، لكن لو أدركتا لم تدركا إلا بحاسة البصر.
"الوجداني" كتشبيههم الجوع بالنار، والعطش باللهب وتسعر النار.
والمختلفتان إما بأن يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا، كما يشبه العدل بالقسطاس، والرأي بسواد الليل في قوله:
الرأي كالليل مسود جوانبه والليل لا ينجلي إلا بإصباح
أو بالعكس بتقدير المعقول كأنه محسوس ويجعل كالأصل لذلك المحسوس مبالغة، ويكون حينئذ من التشبيه المقلوب كما في تشبيه العطر بحسن الخلق في قول الصاحب بن عباد:
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه فكأنما أهدي له أخلاقه
والمفردان إما مطلقان، كما في تشبيه الشعر بالليل، والمخاطب بالحالم، في قوله:
تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها هل أنت إلا كحالم
وإما مقيدان بوصف أو إضافة أو ظرف أو حال، أو نحو ذلك، مما يكون له تعلق بوجه الشبه، كقولهم لم يفخر بما ليس له، كالحادي، وليس له بعير٢، فهذه الجملة الحالية محتاج إليها في تحقيق الشبه بينهما، وكقول القاضي الفاضل:
والشمس بين الأرائك قد حكت سيفا صقيلا في يد رعشاء
وأما مختلفان، والمقيد هو المشبه، نحو:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل٣
ونحو قول المتنبي:
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآية: ٦٥. ٢ يضرب مثلا للرجل يفخر بما ليس له. ٣ الفجاج جمع فج الطريق الواسع بين جبلين. والكفة ما يصاد به "الشبكة".
[ ٢١٦ ]
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
وإما بالعكس كقول الخنساء:
أغر أبلج تأثم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
وقول السري الرفاء:
والفجر كالراهب قد مزقت من طرب عنه الجلابيب
وإما مركبان١ كقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٢
فالشبه٣ هو مجموع الغبار والسيوف المتألقة في خلاله والمشبه به هو الليل الذي تتهافت كواكبه إذ لم يقصد تشبيه النقع بالليل والسيوف بالكواكب، بل عمد إلى تشبيه هيئة السيوف وقد سلت من أغمادها، وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب وتضطرب اضطرابا شديدا وتتحرك بسرعة إلى جهات مختلفة، وكذا إلى هيئة الكواكب في تهاويها وتصادمها وتداخلها واستطالة أشكالها عند السقوط.
وهذا القسم ضربان:
١- ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الثاني كقول القاضي التنوخي:
كأنما المريخ والمشتري قدامه في شامخ الرفعة٤
منصرف بالليل عن دعوة قد أسرجت قدامه شمعة
فإن المريخ في مقابلة المنصرف عن الدعوة، ولو قيل: كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة، كان ضربا من الهذيان.
_________________
(١) ١ ليس الفرق بين القيد والمركب باعتبار التركيب اللفظي لاستوائه فيهما غالبا، بل باعتبار قصد المتكلم الهيئة بالذات والأجزاء بالتبع في المركب وباعتبار قصد جزء من الأجزاء والربط بغيره بالتبع في المفرد المقيد. ٢ المثار من أثار الغبار. ٣ ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من سقوط أجرام مستطيلة منيرة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم. ٤ واو المشتري للحال، فهو يقصد الهيئة التي تكون للمريخ متى كان المشتري أمامه.
[ ٢١٧ ]
٢- ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من أجزاء الطرف الآخر، غير أن الحالة تتغير، كقول أبي الطيب الرقي:
وكأن أجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزر
فلو قيل: كأن النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق، كان تشبيها صحيحا، ولكن أين هذا من ذاك الذي يملأ نفسك عجبا، إذ يريك هيئة نجوم طالعة متألقة متفرقة في أديم سماء صافية الزرقة.
وإما مختلفان، وهو ضربان:
١- أن يكون المشبه مفردا والمشبه به مركبا، كقول الصنوبري:
وكأن محمر الشقيق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد١
فالمشبه هو الشقيق عند تصوبه٢ وتصعده، والمشبه به مركب، وهو الصورة الحادثة من نشر أجرام حمر مبسوطة على رءوس سيقان خضر مستطيلة.
٢- أن يكون المشبه مركبا، والمشبه به مفردا، كقول أبي تمام يصف الربيع:
يا صاحبي تقصيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه زهر الربا فكأنما هو مقمر٣
يريد أن النبات لشدة خضرته مع كثرته وتكاثفه، صار لونه يميل إلى السواد فنقص من ضوء الشمس حتى صار كأنه ليل مقمر.
فهو قد شبه النهار الذي خالطه زهر الربا "وهذا مركب" بالليل المقمر "وهذا مفرد مقيد بالصفة".
_________________
(١) ١ محمر الشقيق ورد أحمر في وسطه سواد، يقال له: شقائق النعمان. ٢ فهو مفرد مقيد بالظرف؛ لأن أوراق الشقائق إنما تكون هل هيئة العلم إذا مالت إلى السفل أو العلو. ٣ تقصيت الشيء بلغت أقصاه، وشابه خالطه، والربا جمع ربوة وهي المكان المرتفع، وخص زهر الربا؛ لأنها أنضر وأشد خضرة، وفي الكلام حذف مضاف أي: لون زهر الربا.
[ ٢١٨ ]