يعرف المسند إليه بالإضمار؛ لأن المقام مقام تكلم، كقوله ﵇ يوم بدر: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" وقول بشار:
أما المرعث لا أخفى على أحد ذرت بي الشمس للقاصي وللداني١
_________________
(١) ١ الرعثة القرط يعلق في شحمة الأدن، ولقب بشار بالمرعث لرعثة كانت له في صغره، وذرت طلعت.
[ ١١٢ ]
أو مقام خطاب كقول الحماسية:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يلوم
أو مقام غيبة، ولا بد من تقدم ذكره إما لفظا نحو: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ١، وقول أبي تمام:
بيمين إبي إسحاق طالت يد العلا وقامت قناة الدين واشتد كاهله
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والبحر ساحله
وإما معنى لدلالة لفظ عليه، نحو: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ ٢ لما في ارجعوا من معنى الرجوع، أو لقرينة حال كقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ٣، أي: ولأبوي الميت، وإما حكما كما في باب رب نحو: ربه فتى، وباب ضمير الشأن نحو: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤.
والأصل في الخطاب أن يكون لمشاهد معين نحو: أنت استرققتني بإحسانك، وقد يخاطب:
١- غير المشاهد إذا كان مستحضرا في القلب كأنه نصب العين، كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ .
٢- غير المعين ليعم كل من يمكن خطابه على سبيل البدل لا على طريق التناول دفعة واحدة، كما تقول: فلان لئيم إن أحسنت إليه أساء إليك، فلا يراد في مثله مخاطب معين، بل براد أن سوء معاملته، غير مختص بواحد دون آخر. وعليه قول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٥. أخرج الكلام في صورة الخطاب، مع إرادة العموم، تنبيها إلى تقطيع حالهم،
_________________
(١) ١ سورة يونس الآية: ١٠٩. ٢ سورة النور الآية: ٢٨. ٣ سورة النساء الآية: ١١. ٤ سورة يوسف الآية: ٩٠. ٥ سورة السجدة الآية: ١٢.
[ ١١٣ ]
من تنكيس الرءوس والخجل، من أهوال يوم القيامة، وبيانا لأنها بلغت الغاية في الظهور، بحيث لا تخفى على أحد، ولا تختص بها رؤية راء، بل كل من يتأتى منه الرؤية يدخل في الخطاب، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم، نحو: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الإنسان الآية: ٢.
[ ١١٤ ]