يقدم المسند إليه لأغراض، منها:
١- أنه الأصل إذ هو المحكوم عليه ولا مقتضى للعدول عنه، نحو: العدل أساس الملك.
٢- ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقا إليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ١ وقول أبي العلاء:
والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد
يريد أن الخلائق تحيرت في المعاد الجسماني، كما يرشد إلى ذلك ما قبله:
بأن أمر الإله واختلف الناس فداع إلى ضلال وهادي
فإتيانه بالمسند إليه على تلك الشاكلة موصوفا بحيرة البرية فيه، يستدعي تشوق السامع إلى أن يعرف ما حكم به عليه، فإذا جاء الخبر تمكن في النفس لما تقدمه من التوطئة له.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات الآية: ١٣.
[ ١٠١ ]
٣- تعجيل المسرة للتفاؤل؛ لأن السامع إذا قرع سمعه في ابتداء الكلام ما يشعر بالسرور هش وفرح به، نحو: الهدى في قلوب المخلصين.
٤- تعجيل المساءة ليتطير السامع ويتبادر إلى ذهنه حصول الشر بادئ ذي بدء، نحو: السجن على جهة التأييد حكم به عليك اليوم.
٥- التبرك به نحو: اسم الله اهتديت به.
٦- إيهام أنه لا يزول عن البال لكونه مطلوبا، نحو: رحمة الله ترجى، نصر الله قريب.
٧- إفادة التخصيص إذا كان الخبر فعلا وولي المسند إليه حرف النفي، نحو: ما أنا قلت هذا، أي: لم أقله وهو مقول لغيري. لا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مقول، لكن تريد أن تنفي كونك قائلا له. ومنه قول المتنبي:
وما أنا أسقمت جسمي به ولا أنا أضرمت في القلب نارا
إذ المعنى: ما أنا الجالب لهذا السقم الموجود والضرم الثابت، ولأجل هذا لا تقول: ما أنا قلت هذا ولا أحد غيري للتناقض بين أول الكلام وآخره، ولا ما أنا رأيت كل أحد؛ لأنه يفيد أن غيرك رأى كل أحد، ولا ما أنا كلمت إلا محمدا؛ لأنه يقتضي أن يكون إنسان غيرك قد كلم كل أحد سوى محمد١.
فإن لم يل المسند إليه حرف النفي٢، فإم أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان كان معرفة أفاد تقديمه أحد أمرين:
أ- تخصيصه بالمسند ردا على من زعم انفراد غيره به أو مشاركته فيه، كما تقول: أنا سعيت في حاجة فلان، وعلى الأول يؤكد بنحو: لا غيري، وعلى الثاني بنحو: وحدي. ومن الواضح في ذلك قولهم في المثل: أتعلمني بضب أنا حرشته٣.
_________________
(١) ١ لأن المستثنى منه مقدر عام وكل ما نفيته عن المذكور على وجه الحصر يجب ثبوته لغيره تحقيقا لمعنى الحصر، سواء كان على وجه الخصوص أو على وجه العموم. ٢ بألا يكون في الكلام حرف نفي، أو يكون حرف النفي متأخرا عن المسند إليه. ٣ حرش الضب صاده، فهو حارش، وهو أن يحرك يده على باب جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضربها، وبذلك يأخذه، يضرب مثلا لمن يريد أن يعلم المتعلم.
[ ١٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا ١ عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٢، أي: لا يعلم أسرارهم ولا يطلع على دخائل ما أبطنوا من الكفر إلا نحن.
ب- تقوية٣ الحكم وتقريره لدى السامع بدون تخصيص، كقولك: هو يعطي الجزيل، وهو يحب الثناء. ألا ترى أنك لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل ولا يحب الثناء.
يرشد إلى ذلك أن هذا الضرب يجيء فيما سبق فيه إنكار منكر، نحو أن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول ولكنك تميل إلى خصمي، وعليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤، والفعل المنفي كالمثبت في ذلك، فتارة يفيد التخصيص، كما تقول: أنت ما سعيت في حاجتي، وتارة يفيد التقوية نحو: أنت لا تكذب، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ ٥.
وإن كان نكرة أخبر عنه بفعل أفاد تخصيص الجنس أو الواحد به، نحو: رجل جاءني أي: لا امرأة ولا رجلان، ذاك أن أصل النكرة أن تكون لواحد من الجنس فيقع القصد بها تارة إلى الجنس فحسب، كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آت من هو جنس الرجال ولم يدر أرجل هو أم رجلان أو اعتقد أنه رجلان.
"تنبيه": مما رأت العرب تقديمه كاللازم لفظ "مثل": إذا استعمل كناية من غير تعريض، نحو: مثلك لا يبخل، ومثلك رعى الحق والحرمة، ونحو قول ابن القبعثري٦، مجيبا الحجاج، على سبيل المغالطة، حينما توعده، بقوله:
_________________
(١) ١ مرنوا واستمروا. ٢ سورة التوبة الآية: ١٠١. ٣ علة التقوية ما ذكره عبد القاهر من أن الاسم لا يؤتى به معرى عن العوامل إلا الحديث قد نوى إسناده إليه، فإذا جئت بالحديث دخل على القلب دخل المأنوس. ٤ سورة آل عمران الآية: ٧٥. ٥ سورة المؤمنون الآية: ٥٩. ٦ هو الغضبان بن القبعثري الشيباني، وكان ممن خرج على الحجاج بن يوسف الثقفي، وأراد بالأدهم الأول القيد، وبالثاني الفرس الأدهم.
[ ١٠٣ ]
لأحملنك على الأدهم، مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب. ونحو قول المتنبي يعزي عضد الدولة بعمته:
مثلك يثني المزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه١
فلا يقصد في كل هذا وأشباهه بمثل إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، بل يريدون أن كل من كان هذا شأنه وتلك حاله كان من موجب العرف والعادة أن يفعل أو لا يفعل، ولأجل إفادتها ذلك المعنى قال المتنبي في تلك القصيدة:
ولم أقل مثلك أعني به سواك يا فردا بلا مشبه
وكمثل "غير" إذا سلك بها هذا المسلك تقول: غيري يفعل كذا، على معنى أنك لا تفعله، لا أن تعرض بإنسان آخر، وعليه قول أبي تمام:
وغيري يأكل المعروف سحتا وتشحب عنده بيض الأيادي٢
فهو لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي اتهم به من هجو الممدوح كان من ذلك الشاعر، لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه كفران النعمة وجحدها، لا غير.
واستعمال "مثل وغير" على تلك الشاكلة مما ركز في الطباع وجرى على جميع الألسن، فمن نحا بهما غير هذا النحو، فقد قلب الكلام عن جهته، وغيره عن صورته، وما ذاك إلا لأنه قد غفل عن سر تقدمهما، وهو إفادة تقوية الحكم وتأكيده.
٨- إفادة التعميم والنص على شمول النفي "عموم السلب" وذلك حين تتقدم أداة العموم ككل وجميع ونحوهما على أداة النفي، وهي غير معمولة للفعل المنفي فيتوجه النفي إذ ذاك إلى أصل الفعل، ويعم كل فرد من أفراد ما أضيف إليه كل، نحو: كل ظالم لا يفلح، فالمعنى: لا يفلح أحد من الظلمة. وعليه قول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله أصنع
_________________
(١) ١ الغروب مجاري الدموع، والصوب القصد، ويثني يدفع، يريد أنك قدير على دفع الحزن ورد الدموع إلى مجاريها إذ لا مشبه لك. ٢ السحت المال الحرام، وتشحب تتغير.
[ ١٠٤ ]
وعلة ذلك أنك إذا بدأت بكل كنت قد بنيت النفي عليه، وسلطت الكلية على النفي وأعملتها فيه، وذلك يقتضي ألا يشذ عنه شيء.
أما إن قدم النفي على أداة العموم لفظا، كقول أبي الطيب:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن١
أو تقديرا بأن قدمت أداة العموم على الفعل المنفي وأعمل فيها، كقولك: كل الدراهم لم آخذ، توجه النفي إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلام نفي المجموع "سلب العموم" فيحتمل ثبوت البعض، كما يحتمل نفي كل فرد، يدل على ذلك الذوق والاستعمال، وهذا الحكم أكثري، وليس بكلي، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ ٣ فَخُورٍ﴾ ٤، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ٥. إلى غير ذلك.
_________________
(١) ١ وفي رواية يشتهي بالياء، والسفن بفتح فكسر، أي: ربان السفينة. ٢ سورة البقرة الآية: ٢٧٦. ٣ يرى أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده أن مثل هذا من عموم السلب لا من سلب العموم حيث قال: قد يعدل بحسب الظاهر عما يدل على عموم السلب إلى ما يفيد سلب العموم والسلب عام بحسب الحقيقة، تعريضا بأن المخاطب شر هذا النوع فالمعنى في هذه الآية أن محبة الله لا تعم المختالين الفخورين حتى تشمل هؤلاء، فلو تعقلت محبته بمختال فخور لم تتعلق بأولئك؛ لأن مختالهم وفخورهم شر مختال وفخور، وهكذا باقي الآي التي جاءت على النمط. ٤ سورة لقمان الآية: ١٨. ٥ سورة القلم الآية: ١٠.
[ ١٠٥ ]