الغرض من التشبيه وهو الإيضاح والبيان مع الإيجاز والاختصار يعود في الأغلب "في التشبيه غير المقلوب" إلى المشبه لوجوه، منها:
١- بيان إمكانه، إذا كان أمرا غريبا لا يمكن فهمه وتصوره إلا بالمثال، كقول البحتري:
دنوت تواضعا وعلوت مجدا فشأناك انحدار وارتفاع
كذلك الشمس تبعد أن تسامي ويدنو الضوء منها والشعاع
فحين أثبت للمدوح صفتين متناقضتين، هما القرب والبعد، وكان ذلك غير ممكن في مجرى العرف والعادة، ضرب لذلك المثل بالشمس، ليبين إمكان ما قال.
[ ٢٣٤ ]
٢- بيان حاله، إذا كان غير معروف الصفة قبل التشبيه، كقول النابغة يمدح النعمان:
كأنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فالوجه عظم حال النعمان وصغر حال الملوك الآخرين إذا قيسوا به.
ويكثر استعماله على هذا النحو في العلوم والفنون للإيضاح والبيان لتقريب الحقائق إلى أذهان المتعلمين، كما يقال لهم: الأرض كالكرة، والذئب كالكلب في الحجم.
٣- بيان مقدار حاله في القوة والضعف إذا كان معروف الصفة قبل التشبيه فبه يعرف مقدار نصيبه، كقول الأعشى:
كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل١
٤- تقرير حاله في نفس السامع، بإبرازها فيما هي فيه أظهر وأقوى، ويكثر في تشبيه الأمور المعنوية بأخرى تدرك بالحس كقولك للمشتغل بما لا فائدة فيه: أنت كالراقم على الماء، إذ بالتشبيه يظهر أنه قد بلغ من الخيبة أقصى الغاية وكقول المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام٢
وقوله:
إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
٥- تزيين المشبه وتحسين حاله ليرغب فيه، كقول ابن المعتز يصف الهلال:
أهلا بفطر قد أثار هلاله فالآن فاغد على الشراب وبكر
انظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر٣
٦- تشويه المشبه وذمه ليكره ويرغب عنه، نحو:
كلف في شحوب وجهك يحكي نكتًا فوق وجنة برصاه
_________________
(١) ١ الريث: البطء. ٢ فيه تشبيه ضمني إذ قد شبه حال من يقبل الهوان بحال الميت بجامع عدم التأثر، وذلك مفهوم ضمنا. ٣ الحمولة: ما يحمل فيه ويوضع، والوجه وجود شيء أسود في داخل شيء أبيض.
[ ٢٣٥ ]
وقوله في ذم القصر:
وترى أناملها دبت على أوتارها كخنافس دبت على أوتار
٧- استطرافه وجعله مستحدثا بديعا إما لإبرازه في صورة ما يمتنع عادة كما يشبه الجمل الموقد ببحر من المسك موجه الذهب، وإما لندور حضور المشبه به في النفس عند حضور المشبه كقولي ابن الرومي في تشبيه بنفسجة.
ولازوردية تزهو بزرقتها بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها بين قامات ضعفن بها أوائل النار في أطراف كبريت١
قال الإمام عبد القاهر: فقد أراك شبيها لنبات غض يرف٢، وأوراق رطبة من لهب نار في جسم مستول عليه اليبس، ومبنى الطباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له كانت صيانة النفوس به أكثر، وكان الشغف به أجدر.
ونحوه قول عدي ابن الرفاع يصف قرن غنان:
تزجي أغن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مداها
وقد يعكس التشبيه "فيجعل المشبه مشبها به وبالعكس" وعندئذ يجعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، ويشبه الزائد بالناقص للمبالغة، وإيهام أن المشبه أقوى وأتم من المشبه به في وجه الشبه، فتعود الفائدة حينئذ إلى المشبه به لا إلى المشبه، كقول محمد بن وهيب يمدح المأمون:
وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح٣
فقد جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأتم من غرة الصباح في الإشراق والضياء، وقوله:
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها وقد كحل الليل السماك فأبصرا
_________________
(١) ١ الواو واو رب، واللازوردية أزهار من البنفسج، وحمر اليواقيت الأزهار، والقامات السيقان، وضعفن بها أي: ضعفن عن حملها. ٢ يرف: يهتز. ٣ في قوله يمتدح: دلالة على اتصاف الممدوح بمعرفة حق المادح وتعظيم شأنه لدى الحاضرين بالإصغاء إليه، حيث يرتاح لسماع المدائح وتظهر عليه علامات البشر والسرور.
[ ٢٣٦ ]
وذلك أنه لما رأى استمرار وصف الأخلاق بالضيق وبالسعة، تعمد تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم بادعاء أنه في السعة أكمل من الأرض المتباعدة الأطراف، وقولهتعالى حكاية عن مستحلي الربا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، إذ مقتضى الظاهر أن يقال: إنما الربا مثل البيع، لكنهم خالفوا ذلك ذهابا منهم إلى جعل الربا في الحل أقوى حالا من البيع.
ومنه قول البحتري:
في طلعة البدر شيء من محاسنها وللقضيب نصيب من تئنيها
وقوله في وصف بركة المتوكل:
كأنها حين لجت في تدفقها يد الخليفة لما سال واديها
وكل هذا إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة، أو ادعاء بالزائد فيه فإن أريد مجرد الجمع بين شيئين في أمر جاز التشبيه، ولكن الأحسن تركه والعدول إلى التشابه ليكون كل من الطرفين مشبها ومشبها به احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر، كما فعل أبو إسحاق الصابي في قوله:
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب
فوالله ما أدري أبالخمر أسلبت جفوني أم من عبرتي كنت أشرب١
ويجوز التشبيه أيضا كتشبيههم غرة الفرس بالصبح وعكسه متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه، من غير قصد، إلى المبالغة في وصف الغرة بالضياء وفرط التلألؤ، ونحو ذلك، وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة، أو الدينار الخارج من السكة، كما قال ابن المعتز:
وكأن الشمس المنيرة دينا ر جلته حدائد الضراب
وعكسه متى أريد استدارة متلألئ متضمن لخصوص في اللون، وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة، والدينار وبين الجرمين، إذ ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه.
_________________
(١) ١ سكب الدمع: إرساله، وأسبل الدمع والمطر إذا هطل.
[ ٢٣٧ ]