البلاغة:
تقع البلاغة وصفا للكلام، والمتكلم، ولم يسمع وصف الكلمة بها.
بلاغة الكلام:
بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال التي يورد فيها مع فصاحته١.
ولن يطابق الحال إلا إذا كان وفق عقول المخاطبين واعتبار طبقاتهم في البيان وقوة المنطق، فللسوقة كلام لا يصح غيره في موضعه والغرض الذي يبنى له، ولسراة القوم والأمراء فن آخر لا يسد مسداه سواه، ولقد أفصح عن ذلك الحطيئة حين خاطب عمر بن الخطاب فقال:
تحنن على هداك المليك فإن لكل مقام مقالا
قال صاحب الصناعتين: وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية، فيخاطبون السوقي والمملوك والأعجمي بألفاظ أهل نجد، والسراة كأبي علقمة إذ قال لطبيب: "أجد رسيسا في أسناخي وأرى رجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة من دأيات العنق"٢ فقال له الطبيب: "متهكما": هل من وجع القرشي؟ قال له: وما يبعدنا منهم يا عدي نفسه، نحن من أرومة واحدة ونجل واحد. قال الطبيب: كذبت، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك كان أهون لك. قال: بل لك الهوان والخسارة والسباب.
_________________
(١) ١ فإذا قلت: فلان مستعدد للأمر، لم يكن بليغا. ٢ الرسيس ابتداء الحمى إذا فتر الجسم، والأسناخ منابت الأسنان، والوابلة طرف الكتف والأطرة كل ما أحاط بشيء، ودأيات العنق فقارها.
[ ٣٥ ]
ومما سبق تعلم أن:
١- الحال "المقام" هو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى إيراد خصوصية في التركيب.
٢- المقتضى "الاعتبار المناسب" هو الصورة المخصوصة التي تورد عليها العبارة.
٣- مقتضى الحال هو إيراد الكلام على تلك الصورة.
فمثلا الوعظ حال ومقام يقتضي البسط والإطناب، وذلك البسط مقتضى، وإيراد الكلام في صورة الإطناب مطابقة للمقتضى.
وكذا كون المخاطب منكرا يوم البعث حال يقتضي التأكيد، والتأكيد مقتضى، وكونك تخاطبه بقولك: "إن يوم الساعة لا شك فيه" مطابقة لمقتضى الحال، وهكذا مقام الذكي يخالف في الخطاب مقام الغبي، ومقام الذكر يباين مقام الحذف؛ لأن لكل منهما من الاعتبارات واللطائف وما يخالف ضده.
مراتب البلاغة:
بلاغة الكلام متفاوتة؛ لأن الألفاظ إذا ركبت لإفادة المعاني المرادة منها حصل لها بالتركيب صور مختلفة لا يحصرها العد، ألا ترى أن طلبة الفرقة إذا كتبوا في موضوع واحد في منشئاتهم تناولوا معاني متقاربة، أو متشابهة، لكنهم يتفاوتون في الأشياء الآتية:
١- العبارة التي ينشئونها.
٢- ترتيب المعاني.
٣- بسط الألفاظ أو إيجازها.
وكلما كان المتكلم أكثر مراعاة للمقتضيات والاعتبارات ازداد الكلام حسنا، وكلما كان أوفى بها كان أبلغ، وبالعكس إذا قل وفاؤه بتلك الخصوصيات المعتبرة عند البلغاء كان أقل مرتبة في البلاغة، ولا يزال ينزل حتى يصل إلى المرتبة السفلى، فيلتحق عند البلغاء بأصوات الحيوان، وإن كان صحيح الإعراب.
والمرتبة العليا وما يقرب منها هي مرتبة المعجز، وهو كلام الله تعالى الذي عجز البشر قاطبة أن يأتوا بأقصر سورة من مثله، وقد نزل في أرقى العصور
[ ٣٦ ]
فصاحة وأكملها بلاغة، ومع ذلك وجم العرب، وخرست شقاشقهم مع طول التحدي وشد النكير عليهم، وحقت له الكلمة العليا.
ثم يليه في الرتبة كلام رسوله ﵇، فقد أوتي من جوامع الكلم ما حارت في أمره جهابذة الفصاحة وأساطين البلاة، ثم كلام البلغاء من العرب جاهليين وإسلاميين.
شواهد:
من فصيح الكلام تشرح أسرار الفصاحة وتبين مراتب البلاغة.
القرآن الكريم هو الينبوع الذي لا يغيض ماؤه والشجرة التي لا ينقطع ثمرها والجديد الذي لا تبلى جدته، فقد ضرب الأمثال، وتفجرت منه ضروب الحكمة وقص علينا من أخبار الماضين وسير الغابرين ما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وبسط ذلك برائع الأساليب، وبديع التراكيب، انظر إلى ما جاء فيه عند ذكر الحساب والصراط والميزان، تجد اللفظ الجزل، والقول الفصل، نحو: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ١. كما تجد السهل المهلهل خطابا لنبيه ﵇ نحو: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ إلى آخرها.
وقد اغترفت السنة النبوية من ذلك البحر، وقطفت من تلك الرياض فأوتيت من موجز الحكم وجامع الكلم ما لا يزال نجعة الرائد وكعبة القاصد، فمن جزلها قوله ﵇: "يابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك، وتطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع".
_________________
(١) ١ سورة الزمر. ٢ سورة الضحى.
[ ٣٧ ]
ومن مهلهلها وسهلها قوله ﵇: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك".
وإن شئت إيضاحا وبيانا، وعلما وعرفانا، فوازن بين قول النمر بن تولب يذم الحياة:
يود الفتى طول السلامة والغنى فكيف ترى طول السلامة يفعل
يكاد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقول الفند الزماني:
أيا تملك يا تمل وذات الطوق والحجل
ذريني وذري عذلي فإن العذل كالقتل
تجد المدى واسعا والهوة بينهما سحيقة والتفاوت لا حد لغايته، أو اقرن بين قول معن بن أوس في الفخر:
لعمرك ما أهويت كفي لريبة ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
وقول بشار بن برد:
ربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت
ترى عجبا عاجبا وتفاوتا في الصنعة لا يحتاج إلى مراء أو جدل.
وإن شاقك أن تعرف فاخر الكلام ورصينه، وما يسابق معناه ولفظه، ولفظه معناه، وما لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وما قالوا في مثله إنه يدخل في الآذان بلا استئذان فانظر قول الرقاشي في العظة والاعتبار: "سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبار". وقول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه، وسمح بحق وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.
[ ٣٨ ]