واعلم أن ليس لهذه المنصوبات عند اجتماعها ترتيب على حد ملتزم إلا المفعولين في بابي أعطيت وعلمت فهما متى كانا ضميرين فلكونهما ضميرين في اتصالهما إذا تفاوتا حكاية وخطابا وغيبة، وهو الكثير يجب تقديم المتكلم على غيره كما يجب تأخير الغائب عن غيره وفي انفصال أحدهما وهو المختار في باب علمت يجب تأخير المنفصل كيف كان وضمير الشأن في باب علمت وما فيه استفهام كنحو علمته زيد منطلق وعلمت أيهم أخوك لا يجوز تأخيره، وتقديم هذه الأنواع الستة على الفاعل جائز إذا كان مظهرا أو مضمرا منفصلا، ولا ينفصل إلا في نحو ما ضرب إلا هو ونحو زيد عمرو يضربه هو وإلا فلا وكذا على الفعل إلا التمييز عند سيبويه لكونه عنده فاعلا في المعنى وإلا المفعول به في باب التعجب عند الجمهور. وسابعها المنصوب في باب كان كنحو كان زيد منطلقًا وأنه نوع غير نوع الحال عندنا خلافا للكوفيين من أن الحال شيء يأتي لزيادة فائدة في الكلام والمنصوب ههنا لنفس الفائدة. وأما الفرق بينهما
[ ٩٣ ]
في أن تلك يلزمها التنكير وهذا يأتي معرفة ونكرة فلا يصلح لا لزام الكوفي لإنكاره لزوم تنكير الحال وبابه كان وصار وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات ومازال وما برح وما فتئ وما انفك وما دام وليس وكذا آض وعاد وغدا وراح وكذا جاء وقعد، وتسمى هذه الأفعال ناقصة بمعنى أنها لا تفيد مع المرفوع بدون المنصوب، ومن هذا يظهر أن مرفوعها وما كان من جنسه يجب أن يعد من الملحقات بالفاعل فتأمل، ويسمى مرفوعها اسما لها ومنصوبها خبرا لها وهذه الأفعال تتفاوت معانيها فكان للدلالة على المضي، فإذا قلت كان زيد منطلقًا كنت بمنزلة أن تقول فيما مضى زيد منطلق وأما ما تكون بمعنى حدث أو تكون زائدة كما في قوله:
جياد بني أبي بكر تسامى على كان المسومة العراب
وفي قولك ما كان أحسن فعن نصب الخبر بمعزل وأما التي فيها ضمير الشأن كنحو كان زيد منطلق فهي عندي عين الناقصة اسمها الضمير وخبرها الجملة وصار للدلالة على الانتقال على حالة، واستعمالها على وجهين: أحدهما صار غنيا، والثاني صار زيد على الغنى، وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات للدلالة على اقتران فائدة الاسم والخبر بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى واليوم والليلة أو على معنى صار. وأما أصبح وأمسى وأضحى في إفادتها معنى الدخول في أوقاتها فبمعزل عن الباب ومازال وما برح وما فتئ وما انفك لاستمرار الفعل بفاعله في زمانه ومادام توقيت للفعل، وإنما كان توقيتا لكون ما فيها مصدرية. وحاصل معناها في قولك اجلس مادام أو استمر زيد جالسا اجلس دوام جلوس زيد هي مدة دوام جلوسه دون أخواتها فهي هناك نافية وما لورودها على معنى النفي ثم ردها على الثبوت فلذلك امتنع مازال زيد إلا منطلقًا امتناع دام أو استمر زيد إلا منطلقًا وليس لنفي فائدة الاسم والخبر في الحال
[ ٩٤ ]
وفي الاستقبال أيضا برواية الإمام أبي الحسن محمد بن عبد الله بن الوراق ﵀، ومعنى ما بقي معنى صار وتقديم الخبر في هذا الباب على الاسم مطلقا جائز إلا في نحو كنته أو كنت إياه وهو المختار وعلى الأفعال التي ليست في أوائلها ما دون ليس ففيه خلاف جائز أيضا وواجب أيضا إذا كان فيه معنى استفهام كنحو متى كان القتال، وههنا أفعال تتصل بهذه النواقص، وتسمى أفعال المقاربة، وهي عسى وكاد وكرب وأوشك وجعل وأخذ وطفق واتصالها بها أنها مع المرفوع بدون الخبر لا تفيد وبينهما تفاوت فخبر عسى يأتي فعلا مضارعا مع أن وخبر كاد بدونها وتصريف عسى تارة يكون على نحو رمى فيقال عسيت عسينا على عسين وأخرى على نحو لعل فيقال عساني عسانا على عساهن وكثيرًا ما يجعل أن مع الفعل المضارع فاعلها فتستغني إذ ذاك عن التصريف وتتم به كلاما وهما أعني عسى وكاد قد تتقارضان ثبوت أن ولا ثبوتها، وأوشك تجري مجرى عسى في استعمالها تارة ومجرى كاد أخرى، والباقية تجري مجرى كاد، ولما كان عسى لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء، وكاد لمقاربته على سبيل الحصول لا جرم جعلنا ثبوت أن أصلا مع عسى ولا ثبوتها مع كاد. وثامنها المجرور بحرف الجر: مررت بزيد، وانتصابه لا يظهر إلا في تابعه كما يقال:
يذهبن في نجد وغوار غائرا
وجواز تقديم هذا على الفاعل وعلى الفعل مطلق إلا في باب التعجب، هذا آخر الكلام في النوع الفعلي.
وأما النوع الحرفي فيعمل الرفع والنصب والجر والجزم، ولا يترتب الكلام ههنا إلا بتقسيمات وهي أن الحروف ضربان أيضًا: عاملة، وغير عاملة.
[ ٩٥ ]
والعاملة ضربان: عاملة عملا واحدًا، وعاملة عملين. والعاملة عملا واحدًا ضربان: عاملة في الأسماء، وعاملة في الأفعال. والعاملة في الأسماء ضربان: جارة وناصبة، والعاملة في الأفعال ضربان: جازمة وناصبة. والعاملة عملين ضربان: عاملة نصبا ثم رفعا، وعاملة رفعا ثم نصبا. فالحاصل من أقسام العاملة الستة: أحدها الجارة، وثانيها الناصبة للأسماء، وثالثها الجازمة، ورابعها الناصبة للأفعال، وخامسها الناصبة ثم الرافعة، وسادسها الرافعة ثم الناصبة. فالقسم الأول، وهي الجارة تسعة عشر وأنها لازمة للأسماء، وهي نوعان: بسائط ومركبة، فالبسائط ستة ك ل ب ت م في أحد الاستعمالين عند بعضهم، فالكاف للتشبيه كقولك الذي كزيد أخوك وتكون غير زائدة وزائدة، إما مع الرفع كما في قولك لي عليه كذا درهما أو النصب كما في قوله تعالى " ليس كمثله شيء " أو الجر كما في قوله: فصيروا مثل " كعصف مأكول " وقد تكون اسما كما في قوله:
يضحكن عن كالبرد المنهم
ولا تدخل على الضمائر عند النحويين سوى المبرد فإنه يجيز ذلك مستشهدا بقوله:
[ ٩٧ ]
وأم أو عال كها أو أقربا
ويتصل بها ما الكافة واللام للملك أو للاختصاص كقولك المال لزيد والجل للفرس وقد جاء للقسم مع التعجب في مواضع كثيرة داخلة على اسم الله تعالى، وتكون زائدة وغير زائدة مع النصب كما في قوله تعالى " ردف لكم " وقولك يالزيد فمن لا يحمله على تخفيف يا آل زيد ومع الجر كما في قوله يا بؤس للحرب، وقولهم لا أبا لك وقد أضمرت في قولهم لاه أبوك وإضمار الجار قليل، التاء للقسم مع التعجب في الأعرف ولا تدخل على اسم الله تعالى، وقد روى الأخفش ترب الكعبة، والباء للإلصاق كقولك به عيب ثم يستعمل للقسم وللاستعطاف وللاستعانة وبمعنى عن كقولك سألت به أي عنه وبمعنى في أو مع كنحو فلان بالبلد ودخلت عليه بثياب السفر لرجوعها كلها على معنى الإلصاق وتكون غير زائدة وزائدة مع الرفع كنحو بحسبك زيد ومع النصب كنحو ليس زيد بقائم ومع الجر عند بعضهم كنحو قوله:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به
وقد أضمرت في قولهم: الله لأفعلن، والميم للقسم كقولك م الله لأفعلن بالكسر ولا يستعمل إلا مع اسم الله تعالى وقد حملت على أنها منقوصة يمين كما حملت ألبتة مضمومة في قولهم م الله على أنها منقوصة من أيمن لعدم وقوع الضم في الحروف البسائط والواو للقسم ولا يدخل على الضمائر والمركبة ثلاثة أنواع ثنائية وثلاثية ورباعية فالثنائية خمسة عن كي عند بعضهم في من مذ. فعن للتعدية والمجاوزة كقولك رميت السهم عن القوس ثم يستعمل بمعنى اللام كقولك لقيته كفة عن كفة أي لكفة وبمعنى على وبعد كما في قوله:
[ ٩٨ ]
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته عن السن خيرًا لا يزال يزيد
أي على السن وقوله: ومنهل وردته عن منهل أي بعد منهل هذا على المذهب الظاهر وقد تكون اسما كما في قوله:
من عن يمين الحبيبا نظرة قبل
وكي للغرض في قولهم كيمه ولا تدخل إلا على ما وفي للظرفية كنحو المال في الكيس، ثم تستعمل بمعنى على كنحو قوله تعالى " ولأصلبنكم في جذوع النخل " لرجوعها على معنى الظرف ومن لابتداء الغاية، ثم تستعمل للتبعيض وللتبيين كنحو أخذت من الدراهم وعندي عشرون منها لرجوعها على معنى الابتداء وقد جاءت للقسم تارة بكسر الميم وأخرى بضمها. قالوا من ربي لأفعلن ومن وعند بعضهم أنهما منقوصتا يمين وأيمن وتكون غير زائدة وزائدة مع المنفي المرفوع والمنصوب كنحو ما جاءني من أحد وما رأيت من أحد ومع المستفهم المرفوع كنحو " هل من خالق غير الله " ومع المثبت عن الأخفش كما في قوله تعالى " يغفر لكم من ذنوبكم " ومذ لابتداء الغاية في الزمان، ولا تدخل على الضمائر وقد تكسر ميمها. والثلاثية ستة على على عدا خلا رب عند الأكثر منذ. فعلى لانتهاء الغاية، ثم يستعمل بمعنى مع كما في قوله تعالى " ولا تأكلوا أموالهم على أموالكم " وعلى للاستعلاء ويكون اسما كما في قوله:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها
[ ٩٩ ]
وفعلًا وألفها حرفًا واسمًا، وكذلك ألف على تقلبًان مع الضمير ياء إلا في لغة قليلة يقول أهلها إلاه وعلاه، وعدا وخلا للاستثناء ولا تدخلان على الضمائر ويكونان فعلين ناصبين، فإذا دخلت صدرهما ما لزمتا النصب إلا في رواية ابن البناء عن الأخفش احترازا عن زيادة ما مع أمر كان أخذه مصدريا لأصل سيمهد إن شاء الله تعالى إن الغرض من وضع الحروف الاختصار والزيادة تنافيه، ولهذا متى حكمنا على حرف بزيادة لم ترد سوى أن أصل المعنى بدونه لا يختل وإلا فلا بد من أن تثبت له فائدة. ورب للتقليل والأظهر فيه عندي ما ذهب إليه الأخفش من كونه اسما لعدم لازم حرف الجر عنده وهو التعدية ولكونه في مقابلة كم فليتأمل ويختص بالنكرات، ولهذا قالوا في نحو ربه رجلا إن الضمير مجهول ونبهوا على ذلك باستلزامه التمييز ولا يتأخر عن فعله ويستلزم فيه المضي عندنا، وقوله تعالى " ربما يودّ " مؤوّل يطلعك على ذلك علم المعاني ويتصل بآخره ما كافة وملغاة مفتوحة وفيه تسع لغات أخر: رب الراء مضمومة والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة، ورب الراء مفتوحة والباء كذلك مشددة أو مخففة، وربت بالتاء مفتوحة والباء كذلك مشددة أو مخففة ويضمر بعد الواو كثيرًا، وقد جاء إضماره بعد الفاء في قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
وبعد بل في قوله:
بل بلد ذي صعد وأصباب
ومنذ كمذ إلا المبرد يدخلها على الضمير وقد يكونان اسمين مبتدأين مرفوعا ما بعدهما على الخبرية معرفا في معناهما ابتداء الغاية لتقدير وقوعه في جواب متى منكرًا دالًا على العدد في معناهما مجموع المدة لتقدير وقوعه في جواب كم.
[ ١٠٠ ]
والرباعية اثنان فحاشا حتى حاشا للاستثناء بمعنى التنزيه ويكون فعلا ناصبا، وحتى بمعنى على إلا أنه يجب أن يكون ما بعدها آخر جزء من الشيء أو ما يلاقيه وأن يكون داخلا في حكم ما قبلها وأن يكون فعلها مما ينقضي شيئًا ف شيئًا فلا يجوز دخولها على الضمائر إلا المبرد.