واعلم أن الترخيم عندنا من خصائص المنادى لا يجوز في غيره إلا لضرورة الشعر وأن حذف حرف النداء إنما يجوز في غير أسماء الإشارة وغير ما لا يمتنع عن لام التعريف إذا لم يكن مستغاثا ولا مندوبا، ونحو أطرق كرى وحارى لا تستنكري عذيري من الشواذ وأن حذف المنادى كنحو يا بؤس لزيد وألا يا سلمي جائز. وضرب لا ينصب أينما وقع بل ينصب في موضع ولا ينصب في آخر ويجوز فيه الأمران في ثالث وهو حرفان الواو بمعنى مع وإلا في الاستثناء فان الواو إذا تقدمها فعل أو معناه ولم يحسن حملها على العطف نصبت كنحو ما صنعت وأباك وما شأنك وعمرًا وإذا لم يتقدم ذلك لم تنصب نحو كيف أنت وزيد فيمن لا يؤوله على كيف تكون أنت وهم الأكثران وعلى مذهب القليل جاء أنا والسير في متلف وإذا تقدم مع حسن العطف جاز الأمران وأن افتر العطف عن الرجحان هذا كله عند من لا يقصر النصب بالواو على السماع ويسمى هذا المنصوب مفعولا معه، وإلا إذا تقدمها كلام عار عن النفي والنهي والاستفهام ويسمى موجبا وفيه المستثنى منه ويسمى تاما والموجب في الاستثناء لا يكون إلا كذلك نصبت كنحو جاءني القوم إلا وغير الموجب في هذا الباب إذا تنزل منزلة الموجب أخذ حكمه ولذلك تراهم في تثنية المستثنى قائلين ما أتاني إلا عمرو إلا أو إلا إلا عمرو بالنصب لغير المسند إليه ألبتة لتنزيل ما أتاني مع مرفوعه منزلة تركني القوم لا غير ولا يثنون الاستثناء إلا على ما ترى من التقدير فإذا لم يتم لم تنصب بل كان حكم ما بعدها في الإعراب كحكمه قبل دخول إلا كنحو ما جاءني إلا زيد وما رأيت إلا وما مررت إلا بزيد وكذا ما جاء زيد إلا راكبًا فإذا تم في غير الموجب ولم يكن ما بعدها جملة مثلها في ما مررت بأحد إلا
[ ١٠٣ ]
زيد خير منه ونشدتك بالله أو أقسمت عليك أو عزمت عليك إلا فعلت كذا إذ مرادهم بما قبل إلا ههنا النفي وهو ما أطلب منك جاز أن تنصب وأن تشرك المستثنى في إعراب المستثنى منه ويسمى هذا بدلا ويكون هو المختار كنحو ما جاءني أحد إلا وإلا زيد. اللهم إلا عند الانقطاع في اللغة الحجازية أو تقديم المستثنى على صفة المستثنى منه عند بعض أو تقديمه على نفس المستثنى منه عند الجمهور فالبدل يمتنع كنحو ما جاءني أحد إلا حمارا وما جاءني أحد إلا ظريف اختيار سيبويه هنا هو البدل وما جاءني إلا أحد ويراعى في البدل أن لا يكون الفاعل في المبدل منه يمتنع عمله في المبدل، ولهذا كان البدل في نحو ما جاءني من أحد إلا زيد ولا أحد عندك إلا عمرو بالرفع وفيما رأيت من أحد إلا زيد وليس زيد بشيء إلا شيئًا حقيرا بالنصب، وفي ما زيد بشيء إلا شيء حقير بالرفع.
فصل
واعلم أن إلا قد تستعمل بمعنى غير فتستحق إذ ذاك إعراب المتبوع مع امتناعها عنه فيعطى ما بعدها وعليه قول النبي ﷺ " الناس كلهم موتى إلا العالمون " كما يستعمل غير بمعنى إلا فيستحق ما بعده إعراب مع بعد إلا مع امتناعه عنه لانجراره بكونه مضافا إليه فيعطى غيرا فيكون حكمه في الإعراب حكم ما بعد إلا سواء بسواء ولا يكون إلا بمعنى غير إلا والمتبوع مذكور حطًا لدرجتها.
فصل
وههنا كلمات استثنائية وهي ليس ولا يكون وبله أيضا عند الأخفش وتنصب ما بعدها ألبتة وسوى وسواء ويجر ما بعدهما ألبتة ولا سيما ويرفع ما بعده تارة بوساطة أخذ ما موصولة ويجر أخرى بأخذ ما مزيدة وقد ينصب بوجه بعيد.
[ ١٠٤ ]
والقسم الثالث وهي الجازمة خمسة أحرف، وهي ضربان: ضرب يلزم المضارع، وهي أربعة لم وهي لنفي فعل تدخل على المضارع فتنفيه وتقلب معناه على المضي، وأصله عند الفراء ﵀ لا جعلت الألف ميمًا ويجوز لم أضرب، ولما وهي لنفي قد فعل تدخل على المضارع فتصنع صنيع لم مع إفادة الامتداد وأصله عند النحويين لم ما ويسكت عليه عند الدلالة دون لم فيقال خرجت ولما ولا للنهى ولام الأمر. وضرب يجري مجرى اللازم للمضارع وهو إن للشرط والجزاء تقول إن تضرب أضرب وإن ضربت ضربت وإن ضربت أضرب بالجزم تارة وأضرب بالرفع أخرى توصلا إليه ببعده عن الجازم مع فوات عمل ذلك في القريب منه ظاهرا وإن كان للضرورة، وإن في الاستعمال تظهر مرة كما ذكرت وتضمر أخرى وذلك في خمسة مواضع لدلالتها عليه وهي ما بعد الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض فيجزم الفعل فيها إذا لم يلزم شرط لإضمار وهو أن يكون المضمر من جنس المظهر تناف في الكلام أما إذا لزم كنحو لا تدن من الأسد يأكلك فلا وليس لأحد أن يظن بالنفي دلالة على الشرط في موضع لانعقاد التنافي بينهما بالجزم دائما من حيث لزوم عدم الشك النفي وثبوته الشرط ولذلك استقبحوا إن احمر البسر كان كذا وإن طلعت الشمس آنك إلا في يوم المغيم وبنوا صحة قولهم إن مات فلان كان كذا على استلزامه الشك في أي وقت عين له هذا إذا ذكر الفعل فيها لمعنى الجزاء أما إذا ذكر على سبيل التعديد من حيث الظاهر ويسمى قطعا واستئنافا أو لإثبات معناه لمنكر فيها ويسمى صفة أو لمعرف ويسمى حالًا فليس إلا الرفع والمعطوف على المجزوم أو على ما هو في موضعه بالفاء أو بالواو أو بثم من نحو إن
[ ١٠٥ ]
تكرمني أكرمك فاخلع عليك وإن تشتمني فلأترك لك وأضربك أو ثم أضربك إن حمل على الابتداء على معنى فأنا أخلع عليك وأنا أضربك ثم أنا أضربك رفع.