ومن شأنه استلزام الفاء في الجزاء إذا كان أمرًا أو نهيا أو ماضيا لا في معنى الاستقبال أو جملة اسمية أو محمولة على الابتداء كما سبق آنفا أو بدل الفاء إذا اللهم إلا في ضرورة الشعر مع ندرة كنحو:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
ومن شأنه أن يليه الفعل لا محالة ظاهرا أو تقديرا وأن لا يتقدم عليه شيء مما في حيزه ولهذا قالوا في آتيك إن تأتني إن الجزاء محذوف وآتيك قبله كلام وارد على سبيل الأخبار وامتناعهم انجزامه منبه على ذلك قوى.
والقسم الرابع وهي الناصبة للفعل أربعة عند سيبويه ومن تابعه: أحدها أن وهو يفيد معنى المصدر ويخصص المضارع بالاستقبال وأنه في الاستعمال يظهر تارة ويضمر أخرى إما واجبا وذلك بعد خمسة أشياء: لام تأكيد النفي كما في قوله تعالى " وما كان الله ليعذبهم " وفاء جواب الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض كنحو ائتني فأكرمك ولا تشتمني فأشتمك وما تأتينا فتحدثنا بمعنى ما تأتينا فكيف تحدثنا: أي لا إتيان ولا حديث كنحو:
ولا ترى الضب بها ينجحر
[ ١٠٦ ]
أي لا ضب ولا انجحار أو ما تأتينا للحديث: أي منك إتيان ولكن لا حديث وأين بيتك فأزورك وليت لي مالا فأنفق ألا تنزل فتصيب خيرا وواو الجمع كنحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن وتسمى واو الصرف: أي تصرف إعراب الثاني عن الأول وأو بمعنى إلا أو على كنحو لألزمنك أو تعطيني حقي وحتى كنحو سرت حتى أدخلها، وإما جائزا قياسيا وذلك بعد لام الغرض كنحو أتيتك لتكرمني مما إذا لم يكن هناك لا فإن كان وجب الإظهار كنحو لئلا تكرمني، أو غير قياسي وذلك فيما عداه، وأما حذفه كنحو قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فغير ممتنع وقد جاء ترك إعمالها في قوله
أن تقرآن على أسماء ويحكمًا
وفي قراءة مجاهد أن يتم الرضاعة.
فصل
ولاقتضاء أن مع المضارع الاستقبال إذا أريد الحال في موضع مما ذكر امتنع تقديره هناك ثم إذا ساغ الاستئناف والاشتراك: أعني العطف على مرفوع كان الرفع والعطف أينما ساغ استلزم حكمه وهو الاشتراك في الإعراب كيف كان فتأمل جميع ذلك، والثاني والثالث من الأربعة كي للغرض ويقال لكي وكيما ولكيما ويأتي في الشعر إظهار أن بعد ذلك. قال حميد:
[ ١٠٧ ]
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا لسانك كيما أن تغر وتخدعا
وقال الآخر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع
ولا ينصب عند الخليل كي إلا بإضمار أن. ولن وهو لنفي سيفعل وأنه لتأكيد النفي في الاستقبال وقد أشير على أنه لنفي الأبد وأصله عند الخليل لا أن فخفف وعند الفراء لا فجعل الألف نونا، ويجوز فيه لن أضرب. والرابع إذن وهو جواب وجزاء وله ثلاثة أوجه: وجه ينصب فيه ألبتة وهو إذا كان جوابا مستأنفا داخلا على مستقبل غير معتمد على مبتدأ قبله ولا شرط ولا قسم كنحو إذن أكرمك في جواب أنا آتيك، ووجه لا ينصب فيه ألبتة وهو أن يكون الفعل للحال أو معتمدا على شيء مما ذكر كنحو أنا إذ أن أراعيك وإن تكرمني إذن أرض عنك ووالله إذن لا أرمي ووجه يجوز فيه الأمران وهو أن يقع بعد واو العطف وفائه وبين الفعل وعند بعضهم أن أصله إذان وفي الكوفيين من يقول إنه اسم منون. والقسم الخامس وهو ما ينصب ثم يرفع سبعة أحرف: ستة تسمى مشبهة بالأفعال لانعقاد الشبهة بينها وبين الماضية منها خصوصا بلزوم الأسماء وانفتاح الأواخر وكونها على أكثر من حرفين يمد ذلك وهي إن بالكسر لتحقيق مضمون الجملة وأن بالفتح وقيس وتميم يقولون عن للتحقيق مع قلب مضمون الجملة على معنى ما هو في حكم المفرد وهو الحاصل من إضافة مصدر منتزع من معنى خبر تلك الجملة على اسمها كنحو قولك في بلغني أن منطلق بلغني انطلاق زيد
[ ١٠٨ ]
ولتفاوت المكسور والمفتوح جملة ومفردا تفاوت مواقعهما فاختص المكسور بالابتداء وبما بعد قال وما كان منه والمفتوح بمكان الفاعل والمفعول خارج باب قال والمجرور وبما بعد لو ولولا وفتح في باب علمت بدون اللام وكسر فيه معها كنحو علمت أن فاضل وأن لفاضل وفيما سوى ذلك فتح وكسر بحسب اعتبار الجملة والمفرد ومن شأن المفتوح أن لا يصدر به ألبتة فلا يقال إن منطلق حق بل يقدم الخبر خيفة أن يدخل على المفتوح المكسور فيتوعلى حرفان لمعنى واحد مختلفان بظاهرهما محتملان اختلاف المعنى بخلاف إن منطلق مكسورتين فيورث وهم اختلافهما في المعنى ظاهرا من حيث اعتقادك بالحروف أن الغرض من وضعها الاختصار نظرا على كل واحد منها حيث ينوب عما لا يؤدي معناه إلا بطول وجمعهما على اختلافهما لمعنى واحد في الكلام بخلاف ذلك الغرض ولا ضرورة في ارتكابه وهذا ملخص كلام محصلي أصحابنا ههنا رحمهم الله تعالى.
فصل وقد يأتي المفتوح بمعنى لعل، وأما المكسور بمعنى نعم فليس من الباب والثالث من الستة لكن وهو للاستدراك يتوسط بين كلامين يتغايران نفيا وإيجابا إما لفظا نحو جاءني زيد لكن عمرًا لم يجي أو بالعكس، وإما معنى كنحو حضر زيد لكن عمرًا غائب وعند الفراء أنه مركب. والرابع كأن وهو للتشبيه وعندهم أن الأصل في كأن الأسد إن كالأسد فقدم حرف التشبيه وفتح له المكسور.