وكما اتفق في قبيل عوامل الأفعال ما قد تفرد بأحكام راجعه إليه كذلك اتفق ههنا من ذلك أفعل التفضيل فإنه متفرد بأن يكون استعماله إما معرفا باللام وإما مضافا وإما مصحوبا بمن، ويلزمه في الأول التثنية والجمع والتأنيث وفي الثالث ترك ذلك ولا يكون إلا منكرا فيه وفي الثاني الخبرة لم يخرج من هذا الحكم إلا آخر فإنه التزم فيه حذف من ولم يستوفيه ما استوى في أخواته حيث قالوا: مررت بآخرين
[ ١٣٢ ]
وآخرين وأخرى وأخريين وأخر وأخريات وإلا دنيا في مؤنثة فإنها استعملت بغير حرف التعريف. قال العجاج: في سعي دنيا طالما قدمت رجلي أيضا. ومن ذلك هلم في لغة بني تميم فإنهم يقولون هلما هلموا هلممن، والظاهر من حكم أسماء الأفعال امتناع ذلك وعليه أهل الحجاز فيه ولذلك حيث قالوا هاتيا هاتوا هاتي هاتين اخترنا منع اسمية هات على ارتكاب نوع من الخفاء في اشتقاقه، ومن ذلك ها فإنه تلحق آخره همزة للخطاب ويصرف مع المخاطب في أحواله تصريف كاف الخطاب، والظاهر من هذا الاستعمال فيما عداه العدم. وأما الجزم فللفعل إذا أفاد فيه معنى الشرط والجزاء والأسماء التي تفيد ذلك هي من نحو من يكرمني أكرمه وأي نحو أيهم يأنني أكرمه وأنى نحو فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها وإذا ما نحو وإذ ما تخرج أخرج وحيثما نحو حيثما تجلس أجلس وأين نحو أين تكن أكن ومتى نحو متى تركب أركب وتدخل عليهما ما لزيادة الإبهام فيقال أينما ومتى ما، وما نحو ما تصنع أصنع وتدخل عليها عند قوم ما الإبهامية فتصير ماما فتستشبع فيجعل مهما وعند آخرين تدخل على مذ وإذا في الشعر وإذما، وبسط الكلام في معاني هذه الأسماء موضعه علم المعاني، ولمعنى الشرط في إذا دون إذ حمل الرفع في نحو " إذا السماء انشقت " على نحو ما حمل في إن ذو لوثة لأنا ونظائره، ولنقتصر من النوع الاسمي على هذا القدر وإلا فإن خيط الكلام فيه مما لا يكاد ينقطع.
[ ١٣٣ ]
وأما النوع المعنوي، وهو الرابع فإنه صنفان: أحدهما التزامي، وذلك أن تأخذ معنى فعل من غير الفعل لدلالة له عليه وأنه برفع إذا كان المأخوذ منه جملة ظرفية ومعتمدة على أحد الأشياء الخمسة كنحو هل في الدار أحد وما عندنا شيء وأو كصيب من السماء فيه ظلمات ولقيته عليه جبة وشيء وزيد له فرس هو الأعرف وأن لم تكن معتمدة أو لم يكن المأخوذ منه جملة ظرفية لم يصلح إلا لنصب المفعول المطلق أو ما يقوم مقامه كنحو علي لفلان ألف درهم عرفا، والله أكبر دعوة الحق:
وإني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل
ونحو هذا عبد الله حقا والحق لا الباطل وهذا زيد غير ما تقول أو المفعول فيه كنحو في الدار زيد أبدا ولك غلامي يوم الجمعة أو الحال كنحو مالك قائما وما شأنك واقفا وهذا بعلي شيخا لا ينصب إلا وهو متقدم على المعمول في الأقوى. وثانيهما ليس بالتزامي وأنه عند سيبويه يرفع لا غير وعند الأخفش من أصحابنا في مذهبه في الصفة يتخطى الرفع وكذا عند خلف الأحمر من الكوفيين في مذهبه في الفاعل والمفعول ووضع كتابنا هذا حيث أفاد الغرض الأصلي من الكلام في الصفة والفاعل والمفعول وهو معرفة إعرابها أغنى عن التعرض لغير مذهب سيبويه فنسوق الكلام بإذن الله تعالى على مذهبه.
[ ١٣٤ ]
اعلم أن المعنى العامل فيما عرفته عند سيبويه ومن تابعه من الأئمة شيئًان: أحدهما الابتداء وأنه يرفع المبتدأ والخبر ويعنون بالابتداء تجريد الاسم عن العوامل اللفظية لأجل الإسناد كنحو زيد منطلق وحسبك عمرو وهل أحد قائم ويسمى المسند إليه مبتدأ والمسند خبرا، والمراد عندهم بالعوامل اللفظية ما عملت كأن وأن وأخواتهما، ومن شأن المبتدأ إذا كان ضمير الشأن أن يجب تقديمه كنحو هو زيد منطلق وجوب تقديم الخبر إذا كان فيه معنى استفهام كنحو أين زيد أو كان ظرفا والمبتدأ نكرة غير مقدر في الدار رجل وأن يرتفع الوجوب في الجانبين فيما سوى ذلك ولا كلام في جواز الحذف لأيهما شئت عند الدلالة، ولذا يحمل قوله تعالى " فصبر جميل " على حذف المبتدأ تارة وحذف الخبر أخرى، وقد جاء حذف الخبر ملتزما في مواضع: منها قولهم ضربي قائما وأكثر شربي السويق ملتوتا وأخطب ما يكون الأمير قائما وكل رجل وضيعته، وقولهم الزيدًان باعتبار، وقولهم لولا زيد على أحد المذهبين. وثانيهما صحة وقوع الفعل المضارع موقع الاسم فإنها ترفعه كنحو زيد يضرب، وكذا يضرب الزيدًان ولا بد من تفسير الصحة بعدم الاستحالة أو القول عند خلوص الداعي بعدم الوجوب حتى يتمشى كلامهم إذا تأملته. واعلم أنه لا يجتمع عاملان لفظي ومعنوي إلا ويظهر عمل اللفظي
[ ١٣٥ ]
ويقدر عمل المعنوي كنحو بحسبك عمرو هل من أحد قائم ولا لفظيان إلا ويظهر عمل الأقرب لا محالة عندنا كنحو ليس زيد بقائم وما جاءني من رجل وأكرمني وأكرمت زيدًا، وأما الكوفيون فإنهم يظهرون في نحو أكرمني وأكرمت عمل الأول ويقولون أكرمني وأكرمت أو أكرمته زيد، وكذا إذا قدمت وأخرت يقولون أكرمت وأكرمني زيدًا، وعلى هذا فقس. ولنكتف من هذا النوع بما ذكر منتقلين على