وإذ قد وفينا الكلام في باب الضبط لما افتقر إليه حقه مجتهدين في التجنب عن غايتي اختصار يخل وتلخيص يمل فلا علينا أن نختمه لمن أراد بما يأنس به أو لو الفطن من إملاء بعض مناسبات لما هو على التعرض له أسبق كنحو التعرض لعلة وقوع الإعراب في الكلم، وعلة كونه في الآخر لا محالة عندنا، وعلة كونه بالحركات أصلا، وعلة عدم استكنانه أصلا، وعلة كونه في الأسماء دون الأفعال أصلا، وعلة كون الصرف في الأسماء أصلا، وعلة كون البناء لغير الأسماء أصلا، وعلة كون السكون للبناء أصلا، وعلة كون الفعل في باب العمل أصلا، ونحو التعرض لكون الفاعل والمفعول والمضاف إليه مقدمة في الاعتبار، وعلة توزيع الرفع والنصب والجر عليها على ما وزعت، ونحو التعرض لعلة ما ورد على غير هذا الإضمار على ما ورد والكلام في ذلك كله مبني على تقرير مقدمتين وتحرير عشرة فصول.
أما المقدمة الأولى فهي أن اعتبار أواخر الكلم ساكنة ما لم يعرف عن السكون مانع أقرب لخفة السكون بشهادة الحس وكون الخفة مطلوبة بشهادة العرف ولكون السكون أيضا أقرب حصولا لتوقفه على اعتبار واحد وهو جنسه دون الحركة لتوقفها على اعتبارين جنسها ونوعها فتأمل فهو في اللفظ اختصار، فإذا منع عنه مانع ترك على الحركة وأنه نوعان حسي وهو مجامعته لسكون آخر ألا تراك كيف تحس في نحو اضرب اضرب إذا رمت الجمع بين الباء والضاد ساكنين
[ ١٣٩ ]
بشيء من الكلفة وربما تعذر أصلا على بعض، وأما السكون الوقفي نحو بكر غلام فقد هون الخطب فيه كونه طارئا لا يلزم وعقلي وهو ردوده وأنه شيء لا نوع له كما تعلم حيث وتردد شيء ذي أنواع مطلوب مثل أن تكون الكلمة دالة على مسمى من حيث ذلك المسمى فقط، ثم تقع في التركيب وتقيد مسماها بقيد مطلوب المعلومية فيحتاج على دلالة عليه وأنت تعلم أن التركيب الساذج وهو ورود كلمة بعد أخرى لكونه مشترك الدلالة لمجيئه تارة وأخرى لمجرد التعديد لا يصلح دليلا على ذلك فيلزم حينئذ بعد الهرب عن وضع شيء مفارق للكلمة يدل على قيد غير مفارق لمعناها لخروجه عن حد التناسب مع أمر كان رعايته التصرف فيها إما بزيادة أو نقصان أو تبديل لامتناع اعتبار رابع هنا بشهادة التأمل بعد الهرب عن الجمع بين اثنين منها أو أكثر تقليلا للتصرف لكن لزوم الثقل للأول وعدم المناسبة للثاني وهو نقصان الكلمة لازدياد المعنى مانع عن ذاك وعلى امتناعه فيما إذا كان على حرف واحد مع الظفر بما هو عارض جميع ذلك وهو تبديل حالة من الأحوال الأربع الحركات والسكون لما في غير هذا التبديل وهو إذ ذاك بعد رعاية أن يقع التصرف في الكلمة ما ذكرنا وإنما يقع فيها إذا لم تبطل بالكلية ليس إلا بتبديل حرف منه بحرف أو مكان لذلك بمكان أعني القلب لا غير بشهادة الاستقراء الصحيح بعد الهرب عن الجمع بين اثنين من الخروج عن المناسبة وهو ترك الأقرب على الأبعد لا لموجب معلوم إذ الحركات أبعاض حروف المد بدليل أن حروف المد قابلة للزيادة والنقصان في باب الامتداد بشهادة الحس وكل ما كان كذلك فله طرفان بشهادة العقل ولا طرف في النقصان إلا هذه الحركات بشهادة الوجدان وكم بين الشيء كلا وبعضا في باب القرب مع امتناعه حيث كان يمتنع النقصان ومختار الآخر لهذا التبديل لكونه أقبل للتغيير لاحتماله الأحوال الأربع من غير كلفة دون الصدر ولا مدخل للوسط في الاعتبار إذ هو شيء لا يوجد كثيرًا كما في نحو غد ويد ولا يتعين
[ ١٤٠ ]
كما في نحو مكرم ومستخرج ولكون التناسب بين الدليل على هذا الوجه وبين مدلوله وهو قيد مسمى الكلمة المتأخر في الاعتبار مرعيا في كونهما متأخرين وأما الثانية فهي أن الغرض الأصلي من وضع الكلم هو التركيب لامتناع وضعها إلا لفائدة وامتناع الفائدة فيها غير مركبة لامتناع استعمالها من أجل إفادتها المسميات لاستلزام الدور لتوقف إفادتها لها على العلم بكونها مختصة بها غير مستوية النسبة إليها وعلىغيرها لاستحالة ترجح أحد المتساويين على الآخر وتوقف العلم باختصاصها بها على العلم بها أنفسها ابتداء مع امتناع عد ما سبق على الفهم عند التلفظ بها مجرد القصد على مسمياتها فائدة بشهادة الوجدان، والأصل في التركيب هو نوع الخبر لكثرته وقلة ما سواه بالنسبة إليه بشهادة الاستقراء وتنزيل الأكثر منزلة الكل بحكم العرف لعدم انفكاك حقيقته عن الخبر يجعل أصلا في باب الخبر فيظهر من هذا تمام انصباب الغرض من الوضع على اعتبار الفعل، وإذا تقرر هذان المقدمتان على هذا الوجه بنينا على الأولى منهما الكلام في علة وقوع الإعراب في الكلم وعلة كونه في الآخر وعلة كونه بالحركات. وعلة عدم استكنانه لخروجه إذ ذاك عن الدلالة وعلة كونه في الأسماء دون الأفعال لظهور كون الأسماء مقتضية لذلك من جهة المناسبة لحصول كونها ومتقيدة بما يحتاج عنده في الدلالة عليه وهو معنى الفاعلية والمفعولية وكونها مضافا إليها، وعلة كون الصرف في الأسماء أصلا لتقيدها بما يقتضي الجر كفاه تقيدها بما يقتضي أخويه واستدعاء دخول الجر فيها عدم منع التنوين منها كما ستقف عليه، وعلة كون البناء لغير الأسماء وكونه على السكون أصلا لانتفاء موجب التحريك جريا على الظاهر، وعلة كون الفعل في باب العمل أصلا لظهور كونه داعيا أو كون الداعي معه على الإعراب
[ ١٤١ ]