وجد عبد القاهر الجرجاني بذوقه السليم وحسه المرهف، وذكائه الخارق أن أسباب تأثير التكتيل في النفوس ترجع إلى أمور أربعة:
أولهما: أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي كأن تنقلها عن العقل إلى الحس وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالطبع، لأن العلم المستفاد من طريق الحواس أو المركوز في الطباع يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام.
فقد قالوا "ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كلايقين" كما أن العلم الأول قد أتى النفس أولًا عن طريق الحواس والطباع، ثم عن طريق النظرية والروية، فهو إذن -أمس بها رحيمًا، وأقوى
[ ١١٧ ]
لهيا ذممًا.
وذلك لأن المعاني التي يجيء التمثيل في عقبها على ضربين غريب بديع يمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه أو استحاله وجوده كما في قول الشاعر:
فان تفق الأنام - وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال.
وضرب لا يكون غريبًا ولا نادرًا فلا يحتاج إلى بينة وحجة وإثبات كأن تنفي عن فعل من الأفعال التي بفعلها الإنسان الفائدة وتدعى أنه لا يحصل من سعيه على طائل، ثم تمثله بالقابض على الماء والراقم فيه، كما في قول الشاعر:
فأصبحت من ليلي الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع
وإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة التمثيل وسبب الأنس في الأول بين "واضح"، لأنه يفيد فيه الصحة ونفي الريب والشك، وأما الضرب الثاني فهو وإن كان لا يفيد فيه هذا النوع من الفائدة، فهو يفيد أمرًا آخر يجرى مجراه، وهو بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حده ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن ب القسطاس.
فالشاعر لما قال: "كقابض على الماء خانته فروج الأصابع" أراك رؤية لا تشك معها ولا ترتاب أنه بمبلغ في خيبة ظنه وسوار سعيه إلى اقصى المبالغ وأنتهى فيه إلى أبعد الغايات، وما ذلك إلا بالتمثيل، فنحن نعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس حتى مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في قوله: "بلى ولكن ليطمئن قلبي".
ومما يدل على أن التمثيل بالمشاهدة يزيد أنسًا - وأن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعاني ولا إلى بيان لمقدار المبالغة
[ ١١٨ ]
فيه - أن تعبر عن المعنى بالعبارة المؤدية له، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس فزعًا، كأن تصف يومًا بالطول، فتقول (يوم كأطول ما يتوهم) ويوم كأنه لا آخر له) فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطاف المزاهر
على أن عبارتك الأولى أشد واقوى في المبالغة من هذا، وذلك لأن ظل الرمح متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له.
وكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور، وكأنه ساعة، وكلمح البصر فتجد هذا مع كونه تمثيلًا لا يؤنسك إيناس قولهم:
بلدت من يوم كظل حصاة ليلًا كظل الرمح غير موات
وقول الآخر:
ظللنا عند باب أبي نعيم بيوم مثل سالفة الذباب
وكذلك تقول: "فلان غذا هم ب الشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه وقصر خواطره على إمضاء عزمه ولم يشغله شيء" عنه فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن ثم لا نرى في نفسك له هزة ولا تصادف لما تسمعه أربحية وإنما تسمح حديثًا ساذجًا وخبرًا عفلًا، حتى إذا قلت:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبًا
امتلأت نفسك سرورًا، وأدركتك طرية - كما يقول القاضي أبو الحسن - لا تملك دفعها عنك ولا تقل أن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وأن كان يوجب شيئًا منه، فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم وافقًا بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك بابًا من العين.
[ ١١٩ ]