وهذا النوع من النظم - وأن لم يبلغ النمط العالي - فإنه قد حسن لفظه ونظمه، فبدت روعته من ناحيتي اللفظ والنظم معًا، كما ترى في قول عبد الله بن المعتز:
وأني على أشفاق عيني من العدا لتجمع مني نظرة ثم أطرق
فترى أن هذه الطلاوة، وهذا الظرف إنما جاء من جعله النظر يجمح وهذه رؤية قاصرة، فإن طلاوة البيت وظرفه إنما كانا لأنه قال في البيت (وأني) حتى دخل اللام في قوله (لتجمح) لم قوله (مني ثم لقوله (نظرة) ولم يقل (النظر) - مثلًا - ثم لمكان (ثم) في قوله (أطرق)، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف وهي: اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله (على إشفاق عيني من العدا).
_________________
(١) دلائل الإعجاز صـ ٦٦.
[ ٧٣ ]
وإن أردت أعجب من ذلك، فأنظر إلى قوله:
سألت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير
"فإنك ترى هذه الاستعارة - على لطفها وغرابتها - إنما ثم لها الحسن وأنتهى إلى حيث انتهى بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك وموازنته لها، وأن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، فأزل كلا منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه فقل: سألت شعاب الحي بوجوه كالدنانير على حين دعا أنصاره، ثم أنظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والطلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها (١).