والمقابلة نوع من الطباق، وهي: أن يؤتى بمعنيين متوافقين، أو معان متوافقة، ثم بما يقابلها على الترتيب فمثال مقابلة اثنين باثنين: قول الله تعالى﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴿ويقول النبي - ﷺ -: "أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه".
[ ١٧٩ ]
وقول النابغة الذبياني:
فتى تم فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسوء الأعاديا
والمقابلة هنا بين (يسر صديقه) و(يسوء الأعاديا).
وقول الشاعر:
فواعجبا، كيف اتفقنا؟ فناصح وفي، ومطوى على الغل غادر
والمقابلة هنا بين (ناصح وفى) وبين (مطوى على الغل غادر).
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة: قول أبي دلامة،
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل!
والمقابلة هنا بين (أحسن) و(أقبح) وبين (الدين) و(الكفر) وبين (الدنيا) و(الإفلاس).
وقول أبي الطيب المتنبي:
فلا الجود يغني المال، والجد مقبل ولا البخل يبقى المال والجد مدبر
والجد: هو الحظ، وقد قابل هنا بين (الجود) و(البخل) وبين (يفنى) و(يبقى) وبين (مقبل) و(مدبر).
[ ١٨٠ ]
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى (٥) وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى (٨) وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
فقد قابل هنا بين كل من (أعطى) و(بخل)، (اتقى) و(استغنى)، لأن معنى استغنى: أنه زهد فيما عند الله، فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة فلم يتق. وبين (صدق) و(كذب) وبين (اليسرى) و(العسرى).
مثال مقابلة خمسة بخمسة: قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وانثنى وبياض الصبح يغري بي
فقد قابل بين (أزورهم) و(أنثنى) وبين (سواد) و(بياض) وبين (الليل) و(الصبح) وبين (يشفع) و(يغرى) وبين (لي و(بي).
على أنهم قد رجحوا بيت أبي الطيب الآنف الذكر، على بيت أبي دلامة الذي أسلفناه من قبل، وذلك بكثرة المقابلة فيه مع سهولة النظم، وبأن قافية أبي الطيب متمكنة بينما قافية أبي دلالمة مجلوبة لأجل الوزن. والقافية غير أنهم قالوا: أن المقابلة في بيت أبي دلامة أجود منها في بيت أبي الطيب، لأن ضد الليل هو النهار وليس الصبح.
[ ١٨١ ]
ومن مقابلة ستة بستة: قول عنترة:
على رأس عبدٍ تاج عزيزينه وفي رجل حرٍ قيد ذلٍ يشينه
فقد قابل بين (على) و(في) وبين (رأس) و(رجل) وبين (عبد) و(حر) وبين (تاج) و(قيد) وبين (عزل) و(ذل) وبين (يزينه) و(يشينه).
على أن السكاكي قد قال في تعريف المقابلة: "أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطًا شرطت هناك ضده، كقوله تعالى:﴾ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى ﴿الآيتين؛ لما جعل التيسير مشتركًا بين الإعطاء والإتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركًا بين أضداد تلك وهي المنع والاستغناء والتكذيب.
وبهذا لا يكون في بيت أبي دلامة مقابلة - عند السكاكي - لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، بل شرط فيهما الاجتماع أيضًا.