إذا قلت (ما فعلت) كنت قد نفيت عنك فعلًا لم يثبت أنه مفعول، ولكنك إذا قلت (ما أنا فعلت) كنت قد نفيت عنك فعلا ًثبت أنه مفعول، ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
وما أنا أسقمت جسمي به ولا أنا أضرمت في القلب نارًا
فالمعنى -كما لا يخفي أن السقم ثابت موجود، ولكنه ليس هو الجالب له.
[ ٩٥ ]
ومثله في الوضوح قوله - أيضًا -:
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ولكن لشعري فيك من نفسه شعر!
فالشعر مفعول على القطع، والنفي والنفي موجه إلى أن يكون هو وحده القائل (١) له.
والدليل على أن هناك فرقًا بين تقديم الاسم وتقديم الفعل: أمران:
أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: (ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس) وذلك لأنك عندما قدمت الفعل - نفيته من غير أن يثبت أن مفعول، فيصبح أن تنفيه بعد ذلك عن جميع الناس، ولكن لا يصح أن تقول: (ما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس)، لما فيه من تناقض، وذلك أن تقديم الاسم في النفي يدل على أن الفعل قد وقع من غيرك، فإذا ما نفيته بعد ذلك عن جميع الناس جاء التناقض.
وثانيهما: أنك إذا قلت: (ماضربت إلا زيدأ) كان كلامًا مستقيمًا ولكنك إذا قلت: (ما أنا ضربت إلا زيدًا) كان لغوًا من القول وذلك لأن نقص النفي بإلا يقتضى أن تكون قد ذربت زيدًا، وتقديمك ضميرك وإبلاؤه حرب النفي يقتضى نفي أن تكون ضربته، وهنا يأتي التناقض (٢).
على أنك تجد هذا الفرق -أيضًا - في تقديم المفعول وتأخيره:
فإذا قلت: (ما ضربت زيدًا)، فقدمت الفعل، كان المعنى: أنك
_________________
(١) دلائل الإعجاز صـ ٨٤.
(٢) دلائل الإعجاز صـ ٨٥.
[ ٩٦ ]
لقد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، وتركته مبهمًا محتملًا.
ولكنك إذا قلت: ما زيدًا ضربت، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربًا وقع منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه، فإنه يصح لك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيدًا، ولا أحدًا من الناس) ولكنه لا يصح لك في الوجه الثاني أن تقول هذا، فلو قلت: (ما زيدًا ضربت، ولا أحدًا من الناس) كان قولًا فاسدًا، لما فيه من تناقض - كما أسلفت - ويصح لك أيضًا أن تقول: (ماضيت زيدًا، ولكن أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، ولا يصح لك أن تقول: (مازيدًا ضربت، ولكن أكرمت) وذلك لأنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا، فالواجب -إذن - أن تقول: (ما زيدًا ضربت، ولكن عمرًا) وحكم الجار والمجرور في ذلك حكم المفعول به، فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر: وإذا قلت: (ما بهذا أمرتك) كنت قد أمرته بشيء غيره (١).