أخذ المتأخرون تعريف عبد القاهر لنظرية النظم، وهو "تتبع معاني
_________________
(١) النقد الأدبي الحديث محمد غنيمي هلال صـ ٢٨٦، ٢٨٧.
[ ٨١ ]
النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام " -مع تحوير في العبارة - وجعلوه تعريفًا لعلم المعاني، فقد قال السكاكي: علم المعاني هو: تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليتحرز بالوقوف عليها من الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضى الحال ذكره (١).
وأنت تجد لفظه "التتبع" "في كلا التعرفين، غير أن السكاكي قد استبدل "بمعاني النحو" "خواص تراكيب الكلام" وقد اعترض الخطيب على تعريف السكاكي بأن "التتبع" ليس بعلم ولا صادق عليه فلا يصح تعريف شيء من العلوم به، ولكنه عرفه بقوله" هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال (٢) ".
أما السعد فإنه وأن يكن قد دافع عن تعريف السكاكي، فإنه قد ذكر أن الأوضح أن يقال: "أنه علم يعرف به كيفية تطبيق الكلام العربي ليقتضى الحال" (٣).
ولعل السكاكي إنما تحرز من أن يأتي بعبارة معاني النحو التي وجدها في تعريف النظم حتى يكون حديثه خاصًا بالبلاغة بعيدًا عن علم النحو ولكنك قد وجدت أن معاني النحو هي نفسها مسائل علم المعاني
_________________
(١) المفتاح صـ ٧٧.
(٢) الإيضاح صـ ٨.
(٣) المطول لسعد الدين التفتازاني صـ ٣٦، صـ ٣٧.
[ ٨٢ ]
بل أن النظم إنما هو نظرية عبد القاهر في البلاغة، يقول الخطيب: ثم أن المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب:
أولها: أحوال الإسناد الخبري، وثانيها: أحوال المسند إليه وثالثها: أحوال المسند ورابعها: أحوال متعلقات الفعل وخامسها: القصر وسادسها: الإنشاء وسابعها: الفصل والوصل وثامنها: الإيجاز والأطناب والمساواة.
ووجه الحصر: أن الكلام أما خبر أو إنشاء لأنه أما أن يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أو لا يكون لها خارج: الأول الخبر، والثاني الإنشاء ثم الخبر لا بد له من إسناد ومستند إليه ومسند وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى ثم السند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلًا أو متصلًا به أو في معناه كاسم الفاعل ونحوه وهذا هو الباب الرابع ثم الإسناد والتعلق كل واحد منهما يكون أما بقصر أو بغير قصر وهذا هو الباب الخامس والإنشاء هو الباب السادس ثم الجملة إذا قورنت بأخرى فتكون الثانية أما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة وهذا هو الباب السابع ولفظ الكلام البيع أما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد عليه وهذا هو الباب الثامن.
وقد ترتب على قيام علم المعاني على إنقاض نظرية النظم ما يلي:
أولًا: عرفوا البلاغة بما ينطبق على معنى النظم فقالوا: بلاغة الكلام هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ولهذا يقول الخطيب - بعد أن عرف البلاغة -: وهذا - أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال هو
[ ٨٣ ]
الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم - حيث يقول: "النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام".
ثانيًا: قسموا البلاغة إلى علومها الثلاثة، المعاني والبيان والبديع لأنهم جعلوا مرجع البلاغة إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره وهذا التمييز منه ما يتبين في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحس وهو ما عدا التعقيد المعنوي أما ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد فهو علم المعاني وأما ما يحرز به عن التعقيد المعنوي فهو علم البيان وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع (١).
ثالثًا: أخرجوا محسنات البديع من عقد النظم
_________________
(١) الإيضاح صـ ١٠
[ ٨٤ ]