نحن في المشتاة ندعو الجفلي لا ترى الآدب منا ينتفر
والحفلي: الدعوة العامة إلى الطعام والنفري: الدعوة الخاصة والآدب الداعي إلى الطعام من أدب بأدب مأدبة والمشتى والمشتاة: مكان الشتاء وزمانه، أي أن الذين يأدبون المآدب منا لا يثتقرون الضيوف ولا ينتقوقهم كما يشهد لعبد القاهر -أيضًا -: أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال فإنه لا يكاد يجيء على هذا الوجه ولكن: يؤتي به غير مبني على اسم:
فإذا أخبرت بالخروج - مثلًا - عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: (قد خرج) ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، وذلك لأنه ليس مما يشك فيه السامع فتحتاج إلى أن تحققه وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه.
وكذلك: إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد في أنه يركب أولا يركب كان خبرك فيه
[ ١٠١ ]
أن تقول: (قد ركب).
فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ وذلك كقولك: (جئته وهو قد ركب) وذلك لأن الحكم يتغير إذا صارت الجملة في مثل هذا الموضع ويصير الأمر بمعرض الشك، لأنه إنما يقول هذا من ظن أن يصادفه في منزله، وأن يصل إليه من قبل أن يركب.
وإذا ما استبطأت إنسانًا فقتل: (أتانا والشمس قد طلعت) كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول: (أتانا وقد طلعت الشمس).
فإذا ما أردت وصف إنسان بالعجلة قلت: (أتى والشمس لم تطلع) وكان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه من أن تقول (أتى وولم تطلع الشمس بعد) وهو بعد هذا كلام لا يكاد يجيء إلا نابيًا.
فالكلام البليغ في مثل هذا: أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه.
فإذا كان الفعل بعد واو الحال مضارعًا لم يصلح إلا مبنيًا على اسم، كقولك: (رأيته وهو يكتب) و(دخلت عليه وهو يملي الحديث).
وكقول النابعة الجمدي:
تمززتها والديك يدعو صياحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
تمزز الشراب: شربه ممصا، وهو يقصد أنه قد شرب الخمر، والمراد
[ ١٠٢ ]
بدعاء الديك الصياح: قرية، والمراد من دنو بني نعش وهي كواكب قرب الغروب، والشاهد في قوله: (والديك يدعو صياحه) حيث جاء الفعل مبنيًا على الاسم بعد واو الحال.
فكل ذلك لا يصلح إلا إذا كان الفعل فيه مينًا على الاسم فلو قلت: أيته ويكتب ودخلت عليه ويملي الحديث، وتمززتها ويدعو الديك صياحه لم يكن شيئًا.
على أنك قد تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم، وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
فإنه لا يخفي على من له ذوق أنه لوجيء في ذلك بالفعل غير مبني على - الاسم فقيل أن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين، واكتتبها فتملي عليه، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون.
لوجد اللفظ قد نبأ عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها.