(ثووم الضحى) والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكيفها أمرها، فقد أرادوا في ذلك كله - كما ترى - معنى ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يرد في الوجود، وأن يكون إذا كان، أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة، لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ .
وأما المجاز: فقد ذكر أن السابقين قد عولوا فيه على حديث النقل، فذكروا أن كل لفظ نقل عن موضوعه مجاز وهذا غير صحيح، يقول عبد القاهر، وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة، وفيه دليل على تأخر الدلائل عن الأسرار).
غير أنه ذكر هنا ما هو الأشهر منه والأظهر، وأن الاسم والشهرة فيه لشيئين اثنين هما: الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازًا إذا جاء على حد الاستعارة.
وأما الاستعارة: فهي "أن تريد تشبيه الشيء بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبه به، وتجربه عليه، فإذا أردت أن تقول: رأيت رجلًا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشة، تركت ذلك كله وقلت: (رأيت أسدًا) وهذه الاستعارة هي التي سماها المتأخرون باسم "الاستعارة التصريحية".
[ ٥٧ ]
وهناك ضرب آخر من الاستعارة: وهو ما كان كقول لبيد:
وغداة ريحٍ قد كشف وقرةٍ إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
حيث جعل للشمال يدًا، وهذا الضرب هو ما سمى عند المتأخرين باسم الاستعارة المكنية، وكان العلماء حتى عصر عبد القاهر يضمونه إلى الضرب الأول من الاستعارة، ولكنه فرق بينهما بما يلي:
أنك في الضرب الأول "أي في الاستعارة التصريحية" "تجعل الشيء ليس به" فإذا قلت "رأيت أسدًا" كنت قد أدعيت في إنسان أنه أسد، وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدًا.
ولكنك في الضرب الثاني: (أي في الاستعارة المكنية) "تجعل للشيء الشيء ليس له "فإذا قلت "إذا أصبحت بيد الشمال زمامها "فقد أدعيت أن للشمال يدًا، ومعلوم أنه لا يكون للريح يد".