ومن فاسد هذا النوع: قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرور محب، أو إساءة مجرم؟
وذلك لأن ضد المحب: هو المبغض، ولكن المجرم قد لا يكون مبغضًا.
وثانيهما: ما يسمى إبهام التضاد: وهو: أن يجمع بين معنيين غير متقابلين، ولكن غير عنهما بلفظين متقابلين في معنييهما الحقيقيين وذلك كقول دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى!
استعار الضحك للمشيب برأسه استعارة تبعية، لظهوره التام برأسه، لأن كلا منهما يشبه الآخر في اللون، وقد طابق بين (ضحك) و(بكى) والضحك - في البيت - لا يضاد البكاء، لأن الضحك في البيت معناه: ظهور الشيب، ولكن المعنيين الحقيقيين متضادان.
وقول أبي تمام - في الشيب -:
له منظر في العين أبيض ناصع ولكنه في القلب أسود أسفع
والأبيض الناصع هو الشديد البياض، والأسود الأسفع هو الأسود إلى حمرة، وقد استعار (الأسود الأسفع) لما يحدثه منظره في نفسه من الهم والحزن، فمعناه الحقيقي هو الذي يقابل ما قبله لا المجازي.
[ ١٧٨ ]
وقوله أيضًا:
وتنظري خبب الركاب ينصها محيى القريض إلى مميت المال
وتنظري بمعنى: انتظري - والخبب: ضرب من العدو، وهو أن يتراوح الفرس في عدوه بين يديه ورجليه، بأن يقوم على أحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة. والركاب: الإبل، وقوله: ينصها: بمعنى يستحثها شديدًا.
ومحيي القريض: كناية عن نفسه، ومميت المال: كناية عن الممدوح. والشاهد في البيت هو: أن المراد من (المحيى) والمراد من (المميت) في البيت غير متضادين، ولكن معنييهما الحقيقيين متضادان.
هذا، والفرق بين إيهام التضاد والتدبيج: أن إيهام التضاد يكون بطريق المجاز، أما التدبيج فإنه يكون بطريق الكناية أو التورية.