قال وقد ذكر التصريع وقسمه إلى سبعة أقسام: جعل الأول ما كان كل مصراع مستقلا بنفسه، ومثله بقول امرىء القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل البيت.
وجعل المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه. فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، ومثله بقول امرىء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل البيت.
وجعل المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع أخيه. ومثله بقول ابن حجاج البغدادي.
من شروط الصّبوح في المهرجان خفة الشّرب مع خلو المكان
فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا، ومصراعه الثاني أولا. وهذه كالمرتبة الثانية في الجودة.
أقول: هذه المرتبة الثالثة أحق بأن تكون أولى من الأولى التي ذكرها هو، لأن مثل هذا النوع أعز من الأول، وفيه دلالة على تمكن الناظم وجودة طبعه.
وقد جاء منه للغزي:
لولا تذكر ما تقادم عهده ما راجع القلب المدلّه وجده
وكذا قوله أيضًا:
ذهب الصبا فتنقبي أو فاسفري لا حظّ فيك لذي قذالٍ مسفر
ولابن قلاقس الاسكندري:
الحيا من غيوثك البارقات والجنا من أصولك الباسقات
وكذا قوله أيضًا:
عدد ودع ذكر التصابي عدّد يا غافلا عمّا يراه في الغد
ولابن الساعاتي:
ما كنت بالباكي ولا المتباكي لولا وقائع طرفك الفتاك
وكذا قوله أيضًا:
بالله يا رسل الرياح كيف السبيل إلى جناح
ألا ترى أن كل بيت من هذه الأبيات فيه ما في الذي جعله أولا وزيادة، فهو أولى بالتقديم، ويشترط فيه أن يكون كل مصراع منه مستقلا بنفسه، غير محتاج إلى غيره مع إمكان جعل الصدر عجزا والعجز صدرا.
وقد واخذه ابن أبي الحديد في تقسيم التصريع في كتابه ولم يتنبه لهذا.