قال في النوع الثامن من التشبيه: وقد قيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ومن ها هنا غلط بعض كتاب أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له: هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل وكأن الهلال لها قلامة.
ثم إنه أخذ يعيب هذا ويقول: أي مقدار للأنملة أن تشبه الحصن وأطال باعتراض وجواب.
أقول: إن ابن أبي الحديد ناقشه في ذلك، وقد بقي شيء من مؤاخذته على هذا.
وهو أن الذي ادعى أن من بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، أبحث معه وأقول: فعلى هذا تبطل غلبة الفرع على الأصل في التشبيه، ونخطىء مثل ذي الرمة في مثل قوله:
ورملٍ كأوراك العذارى قطعته إذا ألبسته المظلمات الحنادس
فإنه شبه كثبان الرمل بما هو أقل منها وأحقر، لأن أوراك العذارى دون الكثبان. ولا نستحسن مثل قول أبي بكر محمد بن هاشم.
والمشتري وسط السماء تخاله وسناه مثل الزئبق المترجرج
مسمار تبرٍ أصفرٍ ركّبته في خاتمٍ والفصّ من فيروزج
فإن كرة السماء والمشتري أكبر من الفص والمسمار.
ولا قول ابن قزل:
فصلٌ كأنّ البدر فيه مطربٌ يبدو وهالته لديه طاره
وكأنّ قوس الغيم جنكٌ مذهبٌ وكأنما صوب الحيا أوتاره
ومثل هذا كثير. وكل ما كان في العالم العلوي لا يشبه بشيء من العالم الأرضي لأنه أحقر وأقل، كما تشبه الثريا بالنرجس الذابل، والهلال بالقلامه والنعل، والبرق بالسيف، والشمس بالمرآة، والنجوم بالسراج، وقوس قزح بأذيال العروس، وجميع ما هو من هذا الباب لا يجوز تشبيهه، وإن كان فلا يكون بليغا على هذا التقرير. وهيهات هذا سد لباب الحسن. وأما الحصون، فقد شبهها الشعراء بالأنامل، منهم الغزي حيث يقول:
سدّ البسيطة نازلا من قلّة ال جبل الأشمّ إلى قرار الوادي
حتى غدا الحصن المبارك خنصرا في خاتمٍ من بهمةٍ وجواد
وقد استعمل ابن الأثير ذلك، فقال في فصل تقدم: فنزلنا منه بمرأى ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع.
وشبهها ابن قزل بالعين فقال:
إنّ الحصون لكالعيون فهدبها شرفاتها وجفونها الأصوار
وكذا محاجرها الخنادق حولها والحافظون لها هم الأشفار
ومن يعيب مثل قول القاضي الفاضل: ونزلنا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كأن الهلال لها قلامة.
فما ينبغي لمجادل يناظره إلا كف القول عنه، وهل الطعن على هذا إلا قول من لم يصل إلى العنقود.
كأنّ عائبكم يبدي محاسنكم به ويمدحكم عندي ويغريني
ويكفيه أنه عاب مثل هذه الألفاظ التي بهر حسنها لما ظهر، وغدت وفي كل ضاحية من وجهها قمر.
وقول الفاضل يشبه قول ابن خفاجة:
في خضر غورٍ بالأراك موشّحٍ أو رأس طودس بالغمام معمّم
[ ٦٥ ]
ومن إنشاء شيخنا شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في وصف حصن: حصن قد تقرط بالنجوم وتقرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء ورسا أصله في التخوم، تخال الشمس إذا علت أنها تتنقل في أبراجه، ويظن من سها إلى السهى أنه ذبالة في سراجه، لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السماء ومرزمه، ولا يرمق متبرجات بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه، وحوله من الجبال كل شامخ تتهيب عقاب الجو قطع عقابه، وتقف الرياح حسرى إذا توقلت في هضابه، تخاف العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر، ويخيل الفكر صورة الترقي إليه ثم لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر، وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأنصافها ولا تعرف فيه الأهلة إلا بأوصافها.
قال كعب الأشقري يصف حصنا:
محلّقةٌ دون السماء كأنها غمامة صيفٍ زال عنها سحابها
فلا يبلغ الأروى شماريخها العلا ولا الطير إلا نسرها وعقابها
ولا خوّفت بالذئب ولدان أهلها ولا نبحت إلاّ النّجوم كلابها
والخالديان:
وقلعةٍ عانق العيّوق أسفلها وجاز منطقة الجوزا أعاليها
لا يعرف القطر إذ كان الغمام بها أرضا توّطأ قطريه سواسيها
إذا الغمامة لاحت خاض ساكنها حياضها قبل أن تهمي عزاليها
يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها لو أنه كان يجري في مجاريها
على ذرى شامخٍ وعزٍ قد امتلأت كبرا به وهو مملوءٌ بها نيها
له عقابٌ عقاب الجو حائمةٌ من دونها فهي تخفى في خوافيها
وقالا أيضًا في ذلك:
وحلقاء قد تاهت على من يرونها بمدقبها العالي ومركبها الصعب
يزرّ عليها الجو جيب غمامه ويلبسها عقدا بأنجمه الشهب
إذا ما سرى برقٌ بدت من خلاله كما لاحت العذراء من خلل السحب
سموت لها بالرأي يشرق في الدجى ويقطع في الجلّى وتنهض في الصعب
فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا وغادرتها ملصوقة الخد بالتّرب