قال: وجدت لابن زيادة البغدادي كتابًا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة. من ذلك أنه تلقب بالناصر وذلك لقب أمير المؤمنين.
ثم إن ابن الأثير استصلح الكتاب وقال: لم أجد فيه مغمزًا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت فيه بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى بكلام فيه غثاثة كقوله: ما يستصلحه المولى على العبد حرام وشيء من هذا النسق.
ثم إن ابن الأثير ﵀ ذكر ما أنشأه في هذا المعنى لنفسه قال: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد. وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نص عليها بحكمه، من جملتها أنه نهى غيره أن يجمع بين كنتيه واسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورًا وعلى غيره محظورًا.
وساق باقي السجع وليس فيه زبدة فأثبته. أقول: قبل الخوض معه أقدم الفرق بين الاسم والكنية واللقب.
وذلك أن العلم الدال على شخص معين إن كان مصدرا بأب كأبي بكر وأبي حفص، أو بأم كأم كلثوم وأم البنين وأم المؤمنين فهو الكنية. وإن أشعر برفع المسمى كماء السماء وذي رعين وذي النورين وذات النطاقين وذي الجناحين، ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء بني أمية وبني العباس، كالهادي والمهدي والرشيد والأمين والمأمون، ويدخل فيه مصطلح الناس، من شمس الدين وبدر الدين ونجم الدين وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب كشمس الدولة وتاج الملك. أو يشعر بضعة المسمى كففة وبطة والأقيشر والأحوص فهذا هو اللقب. وإن كان للدلالة على ذات المسمى وتعيينه، كزيد وعمرو وبكر وخالد فهذا هو الاسم.
وإذا تقرر هذا، فالنبي ﷺ قال: " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي " مراده لا يقال لأحد من أمته محمد أبو القاسم. أما الناصر والعاضد والقادر والمستنصر وما أشبه ذلك فليس ذلك بكنية ولا اسم على ما تقرر.
على أن الفقهاء اختلفوا في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: فذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه إلى أن لا يحل لأحد أن يكتني به سواء كان اسمه محمدا أو غيره.
وذهب مالك ﵀ إلى أنه يجوز التكني به لمن اسمه محمد ولغيره. وذهب بعضهم إلى أنه يجوز لمن لم يكن اسمه محمدًا ولا يجوز لمن اسمه محمد.
قال الرافعي: يشبه هذا الثالث أن يكون أصح، لأن الناس ما زالوا يكتنون به في جميع الأعصار ولا إنكار.
[ ١٠ ]
قال الشيخ محي الدين النووي ﵀: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب، فيه مخالفة لظاهر الحديث. وأما إطباق الناس على فعله مع أن في المكتنين به من الأئمة الأعلام وأهل الحل والعقد والذين يقتدى بهم في الدين، ففيه تقوية لمذهب مالك ﵀ في جوازه مطلقًا. ويكونون قد فهموا النهي مختصا بحياته ﷺ، لما هو مشهور من سبب النهي في اكتناء اليهود بأبي القاسم ومناداتهم يا أبا القاسم طلبا للايذاء. وهذا المعنى قد زال انتهى.
قلت: وممن تكنى بأبي القاسم محمد بن الحنفية. يقال: إن رسول الله ﷺ قال " لعلي ﵁ سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا يحل لأحد بعده ".
ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس.
وسمعت بخواص الأنبياء: أما النبي ﷺ فخواصه معلومة شرعًا. منها: وجوب الضحى والضحية والوتر والتهجد والسواك وتخيير الزوجة في الإقامة معه أو الفراق، وتحريم الخط والشعر وإمساك الكارهة من الزوجات، والفرار من العدو في الحرب، وأن لا يغمد السلاح بعد إشهاره حتى ينال به من العدو، وإباحة الوصال، والخمس وصفي المغنم، ودخول مكة حلالًا، وجعل تركته صدقة غير موروثة، والنكاح بلفظ الهبة من الزوجة بلا مهر وبلا ولي ولا شهود، وفي الإحرام والتزوج بأكثر من أربع، ومن آثرها حرم على الزوج نكاحها ولزمه طلاقها، وحرمة زوجاته بعد وفاته على الأمة فلا يحل نكاحهن لأحد. وأما من عداهم من سائر أمتهم فما لأحد منهم خاصة يمتاز بها من حيث الشرع.
فانظر إلى ابن الأثير ﵀، لم يطابق بين الإنكار والاستشهاد، ولو أجاب الملك الناصر عن ذلك وقال: إن الخادم ما جمع بين كنية أمير المؤمنين وبين اسمه ولا انفردت بواحدة منهما، فما وجه الإنكار علي، لكان له أن يقول ذلك.
على أن الملك الناصر رحمه الله تعالى ما تسمى بهذا اللقب والناصر في بني العباس خليفة، وإنما العاضد من خلفاء الفاطميين بمصر لما استوزره في سنة أربع وستين وخمسمائة لقبه بهذا اللقب وكان الخليفة ببغداد إذ ذاك المستضيء بالله.